ترديدات العيد في رحاب المسجد الحرام

تمهيد

تُعد ترديدات العيد في رحاب المسجد الحرام من أبرز مظاهر الفرحة والبهجة التي تغمر قلوب المسلمين في هذه المناسبة المباركة. وتنتظر الأمة الإسلامية بشوق سماع هذه الترديدات التي تعلن عن حلول العيد، وتعبر عن الشكر والثناء لله عز وجل. فيما يلي، سنستعرض تفصيلاً شاملاً لكل ما يتعلق بترديدات العيد، بدءًا من صيغها المختلفة، مرورًا بمعانيها العميقة، وصولًا إلى أهميتها ومواطنها المستحبة.

صيغ التكبير

تختلف صيغ التكبير بين المذاهب الفقهية، وفيما يلي عرض لأبرز هذه الصيغ:

عند الشافعية

الصيغة المعتمدة للتكبير هي: “الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جُنده، وهزم الأحزاب وحده”.

عند الحنفية

يرى الحنفية أن صيغة التكبير هي: “الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد”، ويستحب تكرارها مرة واحدة. وقد وردت هذه الصيغة عن الصحابي عمر بن الخطاب، وابن مسعود -رضي الله عنهما-، وإسحاق والثوري.

عند المالكية

يجيز المالكيّة صيغتين للتكبير: إمّا قول: “الله أكبر، الله أكبر”، وإمّا قول: “الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد”، مع استحباب تكرار التكبير ثلاث مرات.

عند الحنابلة

تعتمد الحنابلة الصيغة التالية للتكبير: “الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد”، مع تكرارها مرتين.

مدلولات التكبير

التكبير يعني تعظيم الله -سبحانه وتعالى- وتنزيهه عن كل نقص. والمسلم يكبّر في صلاته امتثالًا لقوله -تعالى-:(وَلِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ). فقول “الله أكبر” يعني أن الله أعظم وأكبر من كل شيء، ولا يوجد أكبر منه. والتكبيرة هي اسم مرة من الفعل “كبّر”، وهي كلمة عظيمة مباركة.

التكبير في ذاته عبادة عظيمة؛ لأنه إعلان لعظمة الله -تعالى- وعزته وكبريائه، وتأكيد على أننا جميعًا عبيد له لا حول لنا ولا قوة إلا به. وعندما يتعرف العبد على ربه من خلال أسمائه وصفاته، فإنه يحسن الظن به ويثق بقدرته على إنصافه، وهذا الشعور يدفعه إلى تعظيمه ومحبته وطاعته والخوف منه وذكره وحمده وشكره على نعمه.

أهمية التكبير

تحمل ترديدات العيد أهمية عظيمة في قلوب المسلمين، وتنعكس آثارها الإيجابية على جوانب متعددة من حياتهم، ومن أبرز هذه الآثار:

  • زيادة الارتباط بالله سبحانه وتعالى، وتقوية الإيمان في القلوب.
  • استحضار عظمة الله تعالى وقدرته في القلوب، والتأكيد على أنه الكبير الذي لا يوجد أكبر منه، وأننا جميعًا عبيد له.
  • رفع درجات المسلم في الدنيا والآخرة، والفوز بالثواب الجزيل.
  • تحقيق السكينة والطمأنينة في القلب، فالذكر يريح النفس ويزيل الهموم.

عدد التكبيرات

يُستحب التكبير في صلاة العيدين، بحيث يكون عدد التكبيرات في الركعة الأولى سبع تكبيرات، وفي الركعة الثانية خمس تكبيرات. وقد ذهب إلى هذا الرأي الحنابلة والمالكية وابن القيم وابن باز وابن عثيمين، مستندين إلى حديث عَمرِو بنِ شُعَيبٍ، عن جده -رضي الله عنهم-:(أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كبَّر في عيدٍ اثنتي عشرةَ تَكبيرةً، سبعًا في الأولى، وخمسًا في الأخرى، ولم يُصلِّ قَبلَها ولا بَعدَها).

أماكن التكبير

هناك مواطن عديدة يستحب فيها التكبير، ومنها:

  • التكبير عند رؤية الهلال: لقول الرسول صلى الله عليه وسلم كما ورد في الحديث الذي رواه الصحابي عبدالله بن عمر -رضي الله عنها-:(كانَ رسولُ اللهِ إذا رأى الهلالَ قالَ: اللهُ أكبرُ، اللَّهمَّ أَهِلَّهُ علينا بالأمنِ والإيمانِ، والسَّلامةِ والإسلامِ، والتَّوفيقِ لما تحبُّ، وَترضَى، ربُّنا وربُّكَ اللهُ).
  • التكبير عند سماع خبر سعيد: كما جاء عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(أبشروا، فإن منكم رجلا، ومن يأجوج ومأجوج ألفا، ثم قال: والذي نفسي بيده، إني أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا، فقال: أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فكبرنا، فقال: أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، فكبرنا).
  • التكبير عند الذبح: لقول أنس بن مالك -رضي الله عنه-:(ضحَّى رسولُ اللهَِ صلى الله عليه وسلم بكبشيْن أملحيْن أقرنيْن، وكان يكبرُ ويسمِّي، ولقد رأيتُه يذبحُهما بيدِه واضعًا على صِفاحِهما قدمَه).
Exit mobile version