مقدمة
سورة التحريم، هي سورة مدنية تتناول عددًا من القضايا الهامة المتعلقة بحياة النبي صلى الله عليه وسلم وأسرته، بالإضافة إلى توجيهات للمؤمنين. تتضمن السورة عتابًا لطيفًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وتفصيلاً لبعض الأحداث التي وقعت في بيته، كما تحث المؤمنين على التوبة والعمل الصالح، وتقدم أمثلة من النساء المؤمنات والكافرات للعبرة والعظة.
توبيخ الله عز وجل لنبيه المصطفى
تبدأ السورة بعتاب رقيق من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بسبب تحريمه ما أحله الله له، وذلك رغبةً في إرضاء بعض زوجاته. وقد جاء هذا العتاب في قوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّـهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّـهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّـهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ).
يذكر المفسرون أن سبب نزول هذه الآيات يعود إلى قصة العسل، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب شرب العسل، وكانت إحدى زوجاته تقدم له العسل. فغارت بعض زوجاته الأخريات، واتفقن على أن يقلن له عند قدومه برائحة كريهة، فامتنع النبي صلى الله عليه وسلم عن شرب العسل إرضاءً لهن. وهذا ما استدعى العتاب الإلهي الرقيق.
وقد ذكرت كتب التفسير أسماء بعض الزوجات اللاتي شاركن في هذه القصة. ففي صحيح البخاري ذكر أن التي شرب عندها العسل هي السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها، وأن اللاتي اتفقن عليها هن السيدة عائشة والسيدة حفصة رضي الله عنهما.
هذا العتاب الإلهي دليل على مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند الله تعالى، وعلى حرص الله على توجيهه وإرشاده إلى الأفضل، حتى في الأمور التي تبدو بسيطة.
غيرة زوجات النبي صلى الله عليه وسلم
تتطرق السورة أيضًا إلى موضوع الغيرة بين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف أن هذه الغيرة أدت إلى بعض المواقف التي استدعت تدخل الوحي. قال تعالى:
(وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّـهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَـذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ * إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّـهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّـهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ * عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا).
تشير هذه الآيات إلى قصة تحريم النبي صلى الله عليه وسلم لأمته مارية القبطية على نفسه إرضاءً للسيدة حفصة رضي الله عنها. وقد أسر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر لحفصة، وطلب منها ألا تخبر به السيدة عائشة رضي الله عنها، إلا أن حفصة أخبرت عائشة. فأعلم الله نبيه بذلك، وعاتب الله الزوجتين على هذا الفعل.
وتبين الآيات أن التعاون على النبي صلى الله عليه وسلم ليس في مصلحتهن، وأن الله تعالى هو وليه وناصره، وأن الملائكة والمؤمنين معه. كما تذكر الآيات أن الله قادر على أن يبدله بزوجات خير منهن إن طلقهن.
هذه القصة تبين طبيعة الحياة الزوجية، وأن الغيرة قد تحدث بين الزوجات، ولكن يجب أن يكون التعامل معها بحكمة وتَروٍ.
دعوة المؤمنين للوقاية من النار والتوبة إلى الله
تحث السورة المؤمنين على وقاية أنفسهم وأهليهم من نار جهنم، وذلك بفعل الطاعات واجتناب المعاصي، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّـهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّـهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ).
كما تدعو الآيات إلى التوبة النصوح، وهي التوبة الصادقة الخالصة التي يندم فيها العبد على ما فعل من ذنوب، ويعزم على عدم العودة إليها، ويستغفر الله ويتوب إليه.
التوبة هي سبيل الفلاح والنجاة، وهي باب مفتوح لكل مذنب، والله تعالى يفرح بتوبة عبده.
نماذج لنساء مؤمنات وكافرات
تقدم السورة أمثلة لنساء مؤمنات ونساء كافرات، ليكون فيهن عبرة للمؤمنين. قال تعالى:
(ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّـهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ * وَضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
فامرأة نوح وامرأة لوط عليهما السلام كانتا زوجتين لنبيين كريمين، إلا أنهما خانتاهما في الدين، ولم يؤمنّا بما جاء به الأنبياء، فدخلتا النار مع الكافرين.
أما امرأة فرعون، وهي آسية رضي الله عنها، فقد آمنت بالله تعالى رغم كفر زوجها وطغيانه، وتحملت العذاب في سبيل الله، فاستحقت الجنة والنعيم المقيم.
هذه الأمثلة تبين أن القرابة لا تنفع عند الله، وأن الإيمان والعمل الصالح هما أساس النجاة.
خاتمة
سورة التحريم مليئة بالتوجيهات والنصائح القيمة، التي تساعد المسلم على أن يعيش حياة سعيدة في الدنيا والآخرة. فلنحرص على تدبر معانيها والعمل بما فيها.








