تحليل وتفسير قوله تعالى: “اهبطوا مصرًا فإنّ لكم ما سألتم”

تقديم للآية الكريمة

وردت هذه الآية الكريمة في سياق الحديث عن قصة بني إسرائيل مع نبيهم موسى -عليه السلام-، وذلك في سورة البقرة. وتعتبر هذه الآية جزءًا من سلسلة الأحداث التي تظهر طبيعة بني إسرائيل وجدالهم الدائم لأنبياء الله.

قال الله -سبحانه وتعالى- في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّـهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّـهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.[1]

تأويل الآية الكريمة

تأتي هذه الآية ضمن سياق طويل يحكي قصة بني إسرائيل مع نبيهم موسى -عليه السلام-. وتُظهر الآية كيف طلب بنو إسرائيل من نبيهم أن يدعو ربه ليخرج لهم مما تنبت الأرض، وذلك بعد أن ملّوا من الطعام الواحد الذي كان ينزل عليهم.

معاني الكلمات في الآية

فيما يلي توضيح لمعاني بعض الكلمات الواردة في الآية الكريمة:

  • البقل: كل نبات ذي ساق. [2]
  • القثاء: البطيخ والخيار بأنواعه. [3]
  • الفوم: هو ما يختبزه الناس من الحنطة والخبز. [4]
  • اهبطوا: انزلوا. [2]
  • مِصراً: قيل إنها من الأمصار، وقيل إنها بلاد مصر. [2]
  • ضُرِبت: وُضعت وفُرضت عليهم. [5]
  • الذِلّة: من ذلّ يذلّ ذلّاً؛ أي صَغُر. [6]
  • المسكنة: الفقر والضعف والحاجة. [7]

إيضاح معنى الآية

توضح الآية الكريمة جانبًا من قصة بني إسرائيل مع نبيهم موسى -عليه السلام-، حيث أظهروا تذمرهم وعدم صبرهم على النعمة التي أنعم الله بها عليهم. فبعد أن أنزل الله عليهم المن والسلوى، طلبوا طعامًا آخر من جنس ما تنبت الأرض، كالبقول والقثاء وغيرها.

فجاء الأمر الإلهي: (اهبطوا مصرًا) أي انزلوا إلى أي مدينة، فإن فيها ما طلبتموه، وهذا يدل على أنهم استبدلوا الذي هو خير بالذي هو أدنى. وتدل الآية على أن الله -سبحانه وتعالى- قد ضرب عليهم الذلة والمسكنة، وذلك بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق.

وفي قوله تعالى: (فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ) إشارة إلى أنهم سيحصلون على ما طلبوه، ولكن في مقابل ذل وهوان، وذلك لأنهم سيضطرون إلى سؤال الناس والتذلل إليهم للحصول على هذه الأشياء.

وصف لحال اليهود

تسلط الآية الكريمة الضوء على طبيعة اليهود في مختلف العصور والأماكن، فهم يتميزون بالذلة والمهانة، ونقض العهود، والكبر والغطرسة، وعدم الرضا بما قسم الله لهم. كما أنهم قتلة الأنبياء وأكثر الناس تمرداً عليهم.

وحالهم في الجدال مع الأنبياء مذكور في القرآن الكريم في مواضع عدة، فالأنبياء جميعهم -عليهم السلام- جاؤوا لمصلحة الأمم لا لمعارضتهم أو فرض ما لا يطيقون عليهم، ولكن هؤلاء اليهود لا يعجبهم شيء ولا يحبون دعوة الحق، ويتنكرون لها في كل زمان ومكان، وكل ما حدث لهم نتيجة أفعالهم قال -تعالى-: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ).[1][9]

قال ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-:(أشدُّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ رجلٌ قَتَلَ نبيًّا)،[10]وهذا الحديث مرتبطٌ ارتباطاً وثيقاً مع آخر الآية الكريمة:(ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ).[1][11]

المصادر والمراجع

  • [1] سورة البقرة، آية: 61
  • [2] إبراهيم الإبياري، كتاب الموسوعة القرآنية، صفحة 85. بتصرّف.
  • [3] الشيخ عبدالرحمن بن محمد الدوسري (17/9/2011)، “تفسير سورة البقرة .. الآية ( 61 )”، شبكة الألوكة. بتصرّف.
  • [4] مأمون حموش، كتاب التفسير المأمون على منهج التنزيل والصحيح المسنون، صفحة 272. بتصرّف.
  • [5] ابو جعفر الطبري، كتاب تفسير الطبري جامع البيان ط دار التربية والتراث، صفحة 136. بتصرّف.
  • [6] ابو جعفر الطبري، كتاب تفسير الطبري جامع البيان ط دار التربية والتراث، صفحة 136-137. بتصرّف.
  • [7] ابو جعفر الطبري، كتاب تفسير الطبري جامع البيان ط دار التربية والتراث، صفحة 136-137. بتصرّف.
  • [8] أبو حفص النسفي، كتاب التيسير في التفسير، صفحة 222. بتصرّف.
  • [9] صديق حسن خان، كتاب فتح البيان في مقاصد القرآن، صفحة 183-184. بتصرّف.
  • [10] رواه الألباني، في الصحيح الجامع، عن عبدالله بن مسعود، الصفحة أو الرقم:1000، حسن.
  • [11] مجموعة من المؤلفين، كتاب موسوعة التفسير المأثور، صفحة 406. بتصرّف.
Exit mobile version