تحليل وتدبر في سورة مريم

استكشاف المحاور الأساسية لسورة مريم. لماذا سميت سورة مريم بهذا الاسم؟ فوائد عظيمة ودروس مستفادة من سورة مريم. المصادر والمراجع.

المضامين المحورية في سورة مريم

تضمنت سورة مريم مجموعة من المحاور الأساسية المتنوعة، بدءًا من سرد قصص الأنبياء الكرام، ووصولًا إلى ذكر أمور الإيمان الجوهرية؛ من الإيمان بالبعث واليوم الآخر، والتأكيد على أهمية التوحيد الخالص لله عز وجل، ونفي صفة الولد عن الله سبحانه وتعالى. فيما يلي عرض لهذه المحاور بشيء من التفصيل والتوضيح:

قصة النبي زكريا عليه السلام: عندما بلغ زكريا عليه السلام من الكبر عتيًا وشاب رأسه، ورغم ذلك لم يرزقه الله بالذرية، خشي من أن يتولى أمر بني إسرائيل من لا يراعي حدود الله، فتوجه إلى ربه بالدعاء أن يرزقه ولدًا صالحًا. فاستجاب الله لدعائه وبشره بمولوده يحيى عليه السلام. تعجب زكريا من هذه البشارة، كونه قد بلغ من العمر مبلغًا كبيرًا وزوجته لم تنجب من قبل، فأكد له الله أن هذا الأمر يسير عليه سبحانه وتعالى.

وقد طلب زكريا من ربه علامة تدل على تحقق وعد الله له، فأخبره الله بألا يقدر على الكلام مع الناس لمدة ثلاثة أيام متتالية. ثم رزقه الله بيحيى، مؤكدًا بذلك استجابة دعوة والده زكريا. وقد وصف الله نبيه يحيى بصفات جليلة، منها: التقوى، وبر الوالدين، وعدم معصية الله تعالى. كما قال تعالى: {يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا * وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 12-15].

قصة معجزة حمل مريم عليها السلام: حيث حملت السيدة مريم بعيسى عليه السلام من غير زوج، وكان ذلك بأمر من الله تعالى وقدرته، وقد جعل الله ذلك آية عظيمة لبني إسرائيل ليعلموا من يطيع أمر الله ومن يعصاه. وقد أكرم الله مريم بمعجزات عظيمة أعانتها على حملها، كتيسير هز النخلة وهي في حالة ضعف الحمل، وسقوط الرطب الطازج عليها دون مشقة، وظهور النهر الصغير الذي شربت منه، ثم أمرها الله بألا تجادل بني إسرائيل بشأن مولودها وأن تصوم عن الكلام وتكتفي بالإشارة إلى مولودها.

كلام عيسى عليه السلام في المهد: أجرى الله المعجزة العظيمة على لسان نبيه عيسى عليه السلام، حيث جعله يتكلم وهو ابن أيام قليلة، لكي يبرئ أمه من أي تهمة يمكن أن يلصقها بها بنو إسرائيل، ودعاهم إلى توحيد الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. ومع ذلك، فقد اختلف بنو إسرائيل وكفر كثير منهم بالله بعد تلك المعجزة العظيمة.

قصة النبي إبراهيم عليه السلام: ذكرت السورة قصة إبراهيم عليه السلام مع والده آزر، حيث دعاه إلى عبادة الله وحده وحذره من غضب الله وعذابه، وحذره من اتباع خطوات الشيطان. إلا أن والده أصر على الكفر، وأمره بمفارقته ففارقه. وعندما فارق إبراهيم أباه، حزن لذلك، فأكرمه الله بابنه إسحاق وحفيده يعقوب عليهم السلام.

ذكر جوانب من حياة بعض الأنبياء: مثل موسى وهارون وإسماعيل وإدريس ونوح عليهم الصلاة والسلام، وذكر بعض صفاتهم الحميدة؛ كصدق الوعد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والخشوع لله تعالى والسجود له عند ذكره.

التحذير من إضاعة الصلاة: جاء في السورة تحذير شديد من إضاعة الصلاة واتباع الشهوات، وذكر فيها عظيم وعيد الله لمن ضيعها، ومدح الله التائبين وبين عظيم إكرامه لهم يوم القيامة. {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا} [مريم: 59-60].

الرد على منكري البعث: ومنهم أبي بن خلف الجمحي، وقيل الوائل بن العاص، حيث أنكروا البعث بعد الموت، فرد الله عليهم وأقسم ببعثهم؛ فالذي خلقهم من العدم قادر على إعادتهم. ثم هدددهم الله بوعيده يوم القيامة، وأخبرهم بأنه أهلك أممًا كانت أشد منهم قوة، وبين الله مصير المؤمنين الطيبين يوم القيامة.

تحدي الله عز وجل للعاص بن وائل: تحدى الله عز وجل العاص بن وائل ومن على شاكلته من المشركين الذين زعموا أن الرزق من مال وبنين من نصيبهم، فرد الله عليهم بأنه سيبعثهم ومعهم مقالتهم هذه ليحاسبوا عليها وينظروا ماذا سيفعلون أمام أهوال يوم القيامة.

نفي الولد عن الله تعالى: وبيان عظيم هذا الافتراء الذي تكاد السماوات والأرض تتشقق بسببه وتنهدم الجبال العاليات منه، ثم بيان الوعيد الشديد على من افترى هذه الفرية العظيمة على الله تعالى، حيث سيعود كل واحد منهم بمفرده يوم القيامة للحساب والجزاء. {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا * لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَٰنِ عَبْدًا * لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 88-95].

ختام السورة ببيان كرم الله على المؤمنين: حيث سيجعل لهم مودة في قلوب الناس، إكرامًا لهم بسبب إيمانهم، وبين مكانة القرآن العظيمة وتيسيره على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر بأن إهلاك الأمم السابقة خير شاهد على صدق وعد الله في جميع السورة. {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا * فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا * وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} [مريم: 96-98].

دلالة تسمية سورة مريم

سورة مريم هي سورة مكية من السور العظيمة ببلاغتها وفصاحة أسلوبها. وقد سميت هذه السورة الكريمة بهذا الاسم بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم، والسبب في ذلك يعود إلى أمرين رئيسيين: أولهما ذكر قصة السيدة العذراء مريم بنت عمران عليها السلام، وبيان براءتها من التهمة التي ألصقها بها بنو إسرائيل، وثانيهما تكريم المرأة المسلمة العفيفة بشكل عام وإبراز اهتمام القرآن الكريم بقضايا المرأة.

العِبر والفوائد المستخلصة من سورة مريم

تضمنت سورة مريم عددًا كبيرًا من العبر والفوائد والدروس، ومن بينها:

  • كرم الله في إجابة الدعاء حتى في الحالات التي تبدو فيها الأسباب المادية مستحيلة، كما حدث مع النبي زكريا عليه السلام.
  • المرأة المؤمنة العفيفة يمدها الله بتأييده الخاص ويحفظها بحفظه.
  • في منهج الأنبياء جميعًا قدوة حسنة لنا.
  • التأكيد على أهمية الصلاة وعظيم شأنها.

المصادر

[1] تفسير القرآن العظيم، لابن كثير.

[2] موسوعة التفسير المأثور، لمجموعة من المؤلفين.

[3] التفسير الوسيط لطنطاوي، لمحمد سيد طنطاوي.

[4] التحرير والتنوير، للطاهر بن عاشور.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

تحليل وتدبر سورة محمد

المقال التالي

تحليل مفصل لسورة نوح

مقالات مشابهة