مقدمة
يعتبر كتاب “الأيام” لعميد الأدب العربي طه حسين، سيرة ذاتية فريدة من نوعها، يتناول فيها جوانب مختلفة من حياته، بدءًا من طفولته المبكرة في الريف المصري، مرورًا بتعليمه في الأزهر والجامعة، وصولًا إلى رحلته الأدبية والفكرية. يعرض الكتاب مجموعة من الأفكار والمسائل التي تستحق الدراسة والتحليل، والتي تعكس تجربة إنسانية عميقة ومؤثرة.
تحديات يواجهها المرء في الحياة
يسلط كتاب الأيام الضوء على التحديات التي تواجه الإنسان، ويركز بشكل خاص على الصعوبات التي يعاني منها المكفوفون. يؤكد طه حسين على أن الحياة لا تقدم دائمًا فرصًا مواتية، وأن الإنسان يجب أن يعمل بجد واجتهاد لخلق فرصه وتحقيق أهدافه. يذكر: ” فالحياة لم تُمنح لفريق من الناس دون فريق، وحظوظها من اليُسر والعسْر ومن الشدة واللين ليست مقصورةً على المكفوفين.”
كما يشدد على أهمية الصبر والمثابرة في مواجهة مصاعب الحياة، وضرورة تقدير نعمة الصحة والعافية. يرى أن الإنسان يجب أن يسعى لإرضاء نفسه وتحقيق طموحاته، دون أن يلتفت إلى آراء الآخرين وانتقاداتهم. كما يقول: “والمهم هو أن يلقى الإنسان حياته باسمًا لها لا عابسًا، وجادًا فيها لا لاعبًا، وأن يحمل نصيبه من أثقالها ويؤدي نصيبه من واجباته.”
يذكر الكاتب موقفاً من طفولته حيث كان يخاف الظلام و الأشباح و يختبئ تحت غطاء السرير خوفاً منهم. “ثم يأخذه النوم، فما يحس إلا وقد استيقظ والناس نيام، ومن حوله إخوته وأخواته يغطون، فيسرفون في الغطيط، فيلقي اللحاف عن وجهه في خفية، وتردد لأنه كان يكره أن ينام مكشوف الوجه.”
الاشتياق إلى زمن الطفولة
يخصص طه حسين جزءًا كبيرًا من كتابه للحديث عن ذكريات طفولته، التي يعتبرها أجمل أيام حياته. يصف العلاقة الوثيقة التي كانت تربطه بأمه، والتي كانت تمثل له مصدر الحنان والأمان. يتذكر كيف كان يحب اللعب في الخارج والاستمتاع بجمال الطبيعة المحيطة به. يذكر: “يذكر أنه كان يحب الخروج من الدار إذا غربت الشمس وتعشى الناس، فيعتمد على قصب هذا السياج.”
على الرغم من أن طفولته لم تخلُ من بعض اللحظات المؤلمة، إلا أنه يتذكرها بحنين وشوق كبيرين. يتذكر كيف كانت أخته تحمله وتضعه في حضن أمه، وكيف كان يشعر بالألم عندما كانت تضع له قطرات في عينيه. بالرغم من ذلك، لم يكن يبكي، بل كان يتحمل الألم بصبر وشجاعة. يتألم عندما تضع له سائلًا في عينيه، لم يكن يبصر طه حسين شيئًا إلا أنه وبالرغم من كل هذا الألم لم يبكي وهذا الحمل ثقيل عليه.
وبالرغم من فقدانه بصره، كان طه حسين يتمتع بحاسة سمع قوية، تمكنه من تمييز أصوات الحيوانات المختلفة. كان يخاف أحيانًا من الأصوات الخافتة، لكنه كان يحاول دائمًا فهم معناها ومصدرها. “وكان كثيرًا ما يستيقظ فيسمع تجاوب الديكة وتصايح الدجاج، ويجتهد في أن يميز بين هذه الأصوات المختلفة”.
يتذكر أيضاً كيف كان يشعر بالهواء اللطيف الذي يلامس وجهه، ويجمع بين برودة خفيفة وحرارة الشمس الدافئة. “يرجّح ذلك لأنه يذكر أن وجهة تلقى في ذلك الوقت هواء فيه شيء من البرد الخفيف الذي لم تذهب به حرارة الشمس”.
أهمية العلم والقرآن الكريم
يشير كتاب الأيام إلى أهمية العلم والمعرفة في حياة الإنسان، ودورهما في بناء شخصيته وتوسيع آفاقه. يذكر أن طه حسين أتم حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وهو ما أسعد والده وأستاذه. “ذلك أن سيدنا كان يتحدث إليه قبل هذا اليوم الذي ختم القرآن، فقد أتم حفظه ولما يتم التاسعة من عمره.”
بالإضافة إلى حفظه للقرآن، حرص طه حسين على مواصلة تعليمه الجامعي، وكان ينتظر بفارغ الصبر نتائج الامتحانات. كان يأمل في أن يحالفه الحظ ويحصل على درجات عالية، تمامًا كما حدث مع صديقه في العام الماضي. “وكان من أجل ذلك ينتظر أن تصفو له الأيام، ويبتسم له وجه الحظ، كما ابتسم لصديقه ومواطنه فلان في العام الماضي، فقد أقام صديقه هذا طالبًا للعلم ربع قرن، وكان ذكيًا بارعًا.”
لم يكتفِ طه حسين بحفظ القرآن الكريم، بل سعى إلى تطوير نفسه واكتساب المزيد من المعرفة. التحق بالجامعة وحقق النجاح والتفوق، وهو ما جعله يشعر بالفخر والاعتزاز. يذكر: “وجاءه ذلك البيان المنتظر عن التحاقه بالجامعة وأن سيتلقى تعليمه على يد الحضرة العلية الخديوية، دخل السرور والفرح إلى قلب طه حسين فكيف أصبح هذا الفتى الضرير الذي تعلم في الأزهر فقيرًا يرتقي الآن إلى مرتبة صاحب العرش في العلم.”
المصادر
- طه حسين، كتاب الأيام، صفحة 10.
- طه حسين، كتاب الأيام، صفحة 10.
- طه حسين، كتاب الأيام، صفحة 9.
- طه حسين، كتاب الأيام، صفحة 14.
- طه حسين، كتاب الأيام، صفحة 15.
- طه حسين، كتاب الأيام، صفحة 16.
- طه حسين، كتاب الأيام، صفحة 5.
- طه حسين، كتاب الأيام، صفحة 30.
- طه حسين، كتاب الأيام، صفحة 213.
- طه حسين، كتاب الأيام، صفحة 270.
