مقدمة
التأملات هي انعكاس لما يجول في أعماق النفس البشرية، إنها نتاج التجارب التي نمر بها كل يوم. من خلال هذه التجارب، نستخلص دروسًا قيمة وعبرًا عظيمة، نسترشد بها في حياتنا، وننقلها للأجيال القادمة. تتنوع التأملات بين الفرح والحزن، وفي هذه المقالة سنركز على تلك التي تلامس القلوب وتثير أعمق المشاعر.
أحاسيس تدمع لها العين
لا تنتظر من رحل أن يعود، بل استقبل نورًا جديدًا يضيء قلبك الكسير، ويعيد البهجة لأيامك، والنضارة لروحك. لا تجعل حلمًا خذلك نهاية المطاف، بل اجعل من الانكسار بداية لحلم جديد. لا تطل الوقوف على الأطلال، خاصة إذا كانت مأهولة بالخفافيش والأشباح، وابحث عن صوت عصفور يشق الأفق مع إشراقة صباح جديد. لا تأسف على الأوراق التي ذبلت وتلاشت كلماتها، فقد تكتشف أنها ليست الأجمل مما كتبت، وأنها ليست النهاية. كن حريصًا على التمييز بين من يحتفظ بكلماتك في عينيه، ومن يلقي بها للرياح، فالكلمات ليست مجرد تعبير جميل عابر، بل هي مشاعر قلب، عاشها حرفًا حرفًا، ونبض إنسان حملها حلمًا، واكتوى بنارها ألمًا.
لا أعرف من أين أبدأ، ومتى أنتهي، والمصيبة أنني انتهيت قبل أن أبدأ. هذه دموعي تتسابق لتشرح بدلاً عني. هل أنا في يقين أم أنني أحلم؟
ليس لنا سلطة على قلوبنا، فهي تنبض لمن تشاء، ومتى تشاء، وكيفما تشاء. بعضهم ينبض القلب له، وبعضهم ينبض القلب به، وبعضهم هم نبض القلوب.
في أشد حاجتي إليك، تخلّيت عني. هل هذا جزاء الطيبة والمعروف؟ في قربك، تعلم كيف تميتني وتحييني. اليوم بالذات، أرجوك لا تجافيني، أحتاجك أكثر من نظرة عيني. الله وحده يعلم ما الذي حصل بي، أريدك أن تجمع حطام ما تهدم في داخلي.
ليس المحزن أن يصاب الإنسان بالعمى، بل المحزن أن لا يستطيع الإنسان تحمّل العمى.
إذا اكتشفت أن الأبواب كلها مغلقة، وأن الرجاء لا أمل فيه، وأن من أحببت يومًا قد أغلق مفاتيح قلبه، وألقاها في سراديب النسيان، هنا فقط أقول لك: إن كرامتك أهم بكثير من قلبك الجريح، حتى وإن غطت دماؤه سماء هذا الكون الفسيح. لا تناد حبيبًا لا يسمعك، ولا تسكن بيتًا لم يعد يعرفك أحد فيه، ولا تعش على ذكرى إنسان فرط فيك بلا سبب. في الحب، لا تفرط فيمن يشتريك، ولا تشتر من باعك، ولا تحزن عليه.
أجبرتني دموعي أن أكتب، أجبرتني همومي أن أبكي، ويجبرني قلبي أن أفكر، ويجبرني التفكير أن أتألم، ويجبرني الألم أن أنزف، ويجبرني النزف أن أموت، ويجبرني الموت أن أتحسر.
لا تكن مثل مالك الحزين، هذا الطائر العجيب الذي يغني أجمل ألحانه وهو ينزف. لا شيء في الدنيا يستحق من دمك نقطة واحدة.
عندما تتحدث الجروح
في إحدى الليالي الحزينة، وفي زاوية مظلمة من غرفتي، أمسكت قلمي لأخط همومي وأحزاني. فإذا بقلمي يسقط مني، ويهرب عني. سعيّت لاستعادته، فإذا به يهرب عني، وعن أصابع يدي الراجفة. تعجبت، وسألته: أيا قلمي المسكين، أتهرب مني أم من قدري الحزين؟ فأجابني بصوت يعلوه الحزن والأسى: سيدي، تعبت من كتابة معاناتك، ومعانقة هموم الآخرين. ابتسمت، وقلت له: يا قلمي الحزين، أنترك جراحنا وأحزاننا دون البوح بها؟ قال: اذهب، وبح بما في أعماق قلبك لإنسان أعز لك من الروح، بدلًا من تعذيب نفسك، وتعذيب من ليس له قلب أو روح. سألته: وإذا كانت هذه الجراح بسبب إنسان هو أعز من الروح، فلمن أبوح؟ فتجهّم قلمي حيرة، وأسقط بوجهه علي ورقتي البيضاء. فأخذته، وتملكته، وهو صامت. فاعتقدت أنه قد رضخ لي، وسيساعدني في كتابة خاطرتي. فإذا بالحبر يخرج من قلمي متدفقًا، فتعجبت، ونظرت إليه قائلًا: ماذا تعني؟ قال: سيدي، أَلأنني بلا قلب ولا روح، أتريدني أن أخط أحزان قلبك ولا أبكي فؤادك المجروح؟!
وتسحب روحك بين الحين والآخر، وتفلتها. تتقلب الأجواء من حولك، بالكاد تعلم أين أنت. في أول مرة ستصرخ، وسيفزع كل من حولك. لا أحد يعرف، ولا أحد يدري ما السبب، حتى أنت لا تدري ولا تعلم. وتأتيك مرارًا وتكرارًا، وتصرخ، وتصرخ، وتصرخ، إلى متى؟ فكل من حولك سئموا منك، ماذا ستفعل؟ لا سبيل لك إلا الصمت، فقد اكتفيت أنا بالصمت. وأنا أرى الموت بين الحين والآخر، ليس وصفًا للمعاناة، بل أرى الموت بحق.
نظرة إلى الحياة
إذا أغلق الشتاء أبواب بيتك، وحاصرتك تلال الجليد من كل مكان، فانتظر قدوم الربيع، وافتح نوافذك لنسمات الهواء النقي، وانظر بعيدًا؛ فسوف ترى أسراب الطيور وقد عادت تغني، وسوف ترى الشمس وهي تلقي خيوطها الذهبية فوق أغصان الشجر لتصنع لك عمرًا جديدًا، وحلمًا جديدًا، وقلبًا جديدًا. ادفع عمرك كاملاً لإحساس صادق، وقلب يحتويك، ولا تدفع منه لحظة في سبيل حبيب هارب، أو قلب تخلى عنك بلا سبب. لا تسافر إلى الصحراء بحثًا عن الأشجار الجميلة؛ فلن تجد في الصحراء غير الوحشة، وانظر إلى مئات الأشجار التي تحتويك بظلها وتسعدك بثمارها، وتشجيك بأغانيها. لا تحاول أن تعيد حساب الأمس وما خسرت فيه؛ فالعمر حين تسقط أوراقه لن تعود مرة أخرى، ولكن مع كل ربيع جديد سوف تنبت أوراق أخرى، فانظر إلى تلك الأوراق التي تغطي وجه السماء، ودعك مما سقط على الأرض، فقد صارت جزءًا منها. وإذا كان الأمس ضاع؛ فبين يديك اليوم، وإذا كان اليوم سوف يجمع أوراقه ويرحل؛ فلديك الغد. لا تحزن على الأمس فهو لن يعود، ولا تأسف على اليوم فهو راحل.
إننا أحيانًا قد نعتاد الحزن حتى يصبح جزءًا منا ونصير جزءًا منه، وفي بعض الأحيان تعتاد عين الإنسان على بعض الألوان، ويفقد القدرة على أن يرى غيرها، ولو أنه حاول أن يرى ما حوله لاكتشف أن اللون الأسود جميل، ولكن الأبيض أجمل منه وأن لون السماء الرمادي يحرك المشاعر والخيال؛ ولكن لون السماء أصفى في زرقته، فابحث عن الصفاء ولو كان لحظة، وابحث عن الوفاء ولو كان متعبًا وشاقًا، ولا تترك قلبك ومشاعرك وأيامك لأشياء ضاع زمانها، وإذا لم تجد من يسعدك، فحاول أن تسعد نفسك، وإذا لم تجد من يضيء لك قنديلاً؛ فلا تبحث عن آخر أطفأه، وإذا لم تجد من يغرس في أيامك وردة؛ فلا تسع لمن غرس في قلبك سهمًا ومضى.
أحيانًا يغرقنا الحزن حتى نعتاد عليه، وننسى أن في الحياة أشياء كثيرة يمكن أن تسعدنا، وأن حولنا وجوهًا كثيرة يمكن أن تضيء في ظلام أيامنا شمعة؛ فابحث عن قلب يمنحك الضوء، ولا تترك نفسك رهينة لأحزان الليالي المظلمة.
ليس الحزن إلا صدأ يغشى النفس، والعمل بنشاط هو الذي ينقي النفس، ويصقلها، ويخلصها من أحزانها.
أترانا نلتقي ثانية، أم أن أيامنا قد ذهبت ولن تعود؟ أرسمك في قلبي ذكرى أبدية، أم أدفن ذكراك إلى الأبد وأنثر الورود فوقها؟
خلاصة
في نهاية هذه الرحلة في أعماق المشاعر، نتذكر أن الحياة مليئة بالتقلبات، وأن الحزن والفرح هما وجهان لعملة واحدة. فلنجعل من تجاربنا دروسًا نتعلم منها، ولنستقبل كل يوم بأمل جديد، ولنبحث عن النور في أحلك الظلمات.
