تأملات في قوله تعالى (وإنك لعلى خلق عظيم)

تعمّق في معنى الآية الكريمة (وإنك لعلى خلق عظيم) واستكشف دلالاتها العميقة على شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

فهم معنى الخُلق

يُعرف الخُلق باللغة العربية بضَمِّ اللَّامِ وَسُكُونِهَا، وهو يشير إلى الدِّين والطبْع والسَّجِيَّةُ. يُعدّ الخلق الجانب الباطني للإنسان، بما في ذلك نفْسه وأَوصافها ومَعَانِيهَا. يُمكن تشبيهه بِمَنْزِلَةِ الخَلْق لِصُورَتِهِ الظَّاهِرَةِ وأَوصافها وَمَعَانِيهَا، حيث توجد لهما أَوصاف حسَنة وَقَبِيحَةٌ، والثوابُ وَالْعِقَابُ على كلٍّ منهما. [١]

أهمية الأخلاق في الإسلام

تُعدّ الأخلاق من أهم ركائز الدين الإسلامي. فمن خلالها نُدرك قدرة الله تعالى ونَتَوَكَّل عليه، نؤمن بالجنة والنار، ونَتَصَرَّف بِحُبٍّ لِمَنْ حَوْلَنَا. فالإيمان باليوم الآخر يُشجّعنا على الإعراض عن إيذاء الناس، حبّ الخير لهم، التصدّق على فقيرهم، واحترام كبيرهم ورحمة صغيرهم. كما تشمل الأخلاق الحسنة الإحسان إلى الوالدين والزوج والجيران والأقارب، والإعراض عن الغيبة والنميمة وغيرها من الأخلاق الذميمة.

ترتيب الآية في سورة القلم

تُنزل الله تعالى سورة القلم (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ* مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ* وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ* وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)،[٢] فيها قسم الله تعالى بأداة الكتابة وبما يكتبون، وهو أمر تميز به البشر عن كل المخلوقات. ثم دافع الله عز وجل عن نبيه بما أتهمه به المشركون من جنون، ثم أخبر الله عز وجل نبيه بأن أجره متصل غير منقطع، ثم جاءت التزكية بعد ذلك بأن أخلاقه عظيمة صلى الله عليه وسلم. فلو تخلّق المسلم بِمَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الآيَات لَسَوْفَ يَتَرَقَّى عَنْ كُلِّ مَا هُوَ ذَمِيمٌ وَيَتَخَلَّقُ بِكُلِّ مَا هُوَ طَيِّبٌ.

النبي محمد صلى الله عليه وسلم: أفضل الناس خلقًا

يُروى عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّه قال:(كانَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا)،[٣] فمن خُلُقِهِ صلى الله عليه وسلم نتعلّم الحياء، والصدق، والأمانة، والعفو، والإحسان، والكرم، والإيثار، والكف عن أعراض الناس، وحفظ اللسان، وغيرها الكثير مما أجملته الآية، وفصلته آيات أخرى وأحاديث تبين لنا عظيم خلقه.

اقتداء النبي صلى الله عليه وسلم في حياتنا

عندما نتبع الرسول لأنّه صلى الله عليه وسلم هو القدوة، والمعلم، والقائد، سينتشر التسامح والإيثار والتآخي بين المسلمين، وهو ما نحتاج إليه في زماننا هذا. أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قدوتنا، فنكون مثالًا بأخلاقنا، وعنوانًا للتسامح، والإخاء، وحب الخير للغير. وسوف نكف عن أعراض الناس ونسير معا إلى رضوان الله تعالى، عن عبدالله بن عمرو قال:(ألا أُخبركم بأحبِّكم إليَّ وأقربِكم مني مجلسًا يومَ القيامةِ ؟ فأعادها مرتَين أو ثلاثًا . قالوا : نعم يا رسولَ اللهِ ! قال : أحسنُكم خُلُقًا).[٤]

شهادة كبرى وتكريم عظيم

تُعدّ الآية الكريمة (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ).[٥] شهادة كبرى من الله تعالى للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد ثَبَتَ هذا الثناء العلوي فِي صَمِيمِ الْوُجُودِ. يُعجز كُلُّ قَلَمٍ وَيُعْجِزُ كُلُّ تَصَوُّرٍ عَنْ وَصْفِ قِيمَةِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْعَظِيمَةِ مِنْ رَبِّ الْوُجُودِ.

يُشير الخلق العظيم إلى ما هو عند الله مما لا يبلغ إلى إدراك مداه أحد من العالمين. تُبرز دلالة هذه الكلمة العظيمة على عظمة محمد- صلى الله عليه وسلم- من نواح شتى: [٦]

  • تُعدّ الكلمة من الله الكبير المتعال، وتُسجّل في ضمير الكون، وتثبت في كيانه، وتتردد في الملأ الأعلى إلى ما شاء الله.
  • تُبرز من جانب آخر، إطاقة محمد- صلى الله عليه وسلم- لتلقيها، وهو يعلم من ربه هذا، قائل هذه الكلمة، ما هو؟ ما عظمته؟ ما دلالة كلماته؟ ما مداها؟ ما صداها؟ ويعلم من هو إلى جانب هذه العظمة المطلقة، التي يدرك هو منها مالا يدركه أحد من العالمين.
  • إن إطاقة محمد- صلى الله عليه وسلم- لتلقي هذه الكلمة، من هذا المصدر، وهو ثابت، لا ينسحق تحت ضغطها الهائل- ولو أنها ثناء- ولا تتأرجح شخصيته تحت وقعها وتضطرب.. تلقيه لها في طمأنينة وفي تماسك وفي توازن.. هو ذاته دليل على عظمة شخصيته فوق كل دليل”.

المراجع

  1. ابن منظور،لسان العرب، صفحة 86. بتصرّف.
  2. سورة القلم، آية:1-4
  3. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أنس بن مالك، الصفحة أو الرقم:6203، صحيح.
  4. رواه الألباني، في صحيح الترغيب، عن عبد الله بن عمرو، الصفحة أو الرقم:2650، صحيح.
  5. سورة القلم، آية:4
  6. سيد قطب،في ظلال القرآن، صفحة 3656. بتصرّف.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

تأملات في سورة يونس

المقال التالي

تأين الماء: فهم عملية هامة في الكيمياء

مقالات مشابهة