تأملات في غرام سرمدي

بوح يتوق لقصة حب لا فناء لها. هل أصبحت أسيرة من ضحايا الهوى؟ كلمات وجيزة عن الغرام الذي لا يزول.

شوق لقصة حب أبدية

في أحد الأيام، استيقظت وأنا أشعر بأن جذوة قلبي تخبو بسبب سقم الهيام، وعقلي يعج بصخب العشق. أدركت أن عالمي، بأفراحه وأحلامه، قد اكتسى طعم المرارة بعد رحيله. تمنيت لو أنني خبأته سراً في أعماقي، ليظل خيبتي الخاصة. نظرت إلى النافذة ورأيت الغيوم تشاركني حزني، متراكمة كقلبي المثقل بحبه. لم أود الاعتراف بخيانته، ورغم ذلك، رضيت بأن أعيش وهم براءته.

لم يستأذن قلبي قبل أن يقتحمه، فاحتله وغرس حبه في منتصفه، رافعاً راياته منتصراً، غير مكترث بالدمار الذي خلفه. ألقيت بجسدي المنهك تحت الماء البارد، أملاً في تبريد لهيب الخذلان. حاولت نسيانه، لكن قلبي وعقلي وكل ذرة في كياني رفضت الفكرة. سعيت جاهدة لاستعادة قوتي، لإعادة بناء ذاتي، للنجاة بنفسي، لكنني فشلت. هل بذلت جهداً كافياً؟ أم أنني لم أكن أرغب حقاً في النجاة بما تبقى من روحي البسيطة؟

لست متأكدة من رغبتي في طمسه من ذاكرتي، بل إني أتوق إليه شوقاً سماوياً، أتمنى أن أضمه إلى قلبي، ليلتقي نبضي بنبضه، مكونين لحناً ترقص على أنغامه الشمس والقمر. يا رحمة للعاشقين! حيهم ميت وميتهم منسي وجديدهم ضائع، يمشون كما يمشي بنو الإنسان ويأكلون كما يأكلون ويتنفسون كما يتنفسون، ولكنهم يعيشون في دنيا لا يعرفها البشر ولا يجدون إليها صلة.

سلو المحبين عن شقاهم، يحلفون لكم أنهم لا يطلبون إلا نظرة تروي الظمأ وبسمة يفنون فيها يعرفونها في سبحات التأمل في ليالي الوحدة، يهمس العاذلون: انسَ ليلاك، ففي الأرض ليلات كثر، واستبدل بها، وما يدري العاذلون ماذا يلاقي، لا.. ولا نظروا إلى ليلى بعينيه ولا شعروا بها بقلبه، فيا رحمة للعاشقين ممّا تقول العواذل.

قطعت سلسلة أفكاري بدخول صديقتي، فحاولت إخفاء وجهي الشاحب ومسح دموعي. سألتني صديقتي: “ماذا بكِ؟ لماذا تبدو عيناكِ مرهقة؟” فأجبت، والدنيا تخنقني بأشواقها: “عندما تضيق بي الدنيا، لا أرغب إلا في سماع صوته، رغم أنه لم يسعدني، بل زاد خذلاني، إلا أن حبه ما زال حياً في داخلي، لم يمت ولم يُهمل. علم بأني أحبه، أعيشه وأشعر به، فتركني للأوجاع، تركني أصارع النزف الذي زرعه في داخلي. بقيت وحيدة مع الشرخ الذي أحدثه في عمري، أردته أن يضمد جراحي، أن يجمع ما تبعثر من أيامي الضائعة.”

لكن لا مجيب لندائي. أجابت صديقتي: “لا تدعي شيئاً يعيقكِ يا لانا. تخلصي من تلك التصرفات التي تزيد من حزنك، فتجعله حزناً استثنائياً، زلزالاً مدمراً! أيعقل أن شخصاً يحب ويفعل بمن يحبه هكذا؟ لو تأملتِ قليلاً، لعلمتِ أن بعض البشر، بمجرد أن نحبهم، لا يعني ذلك ضرورة بقائهم في حياتنا، ولا تواجدهم في أحداثها، بل بين طيات ذكرياتنا الجميلة. فبعض النفوس تكون أجمل عند خلق مسافة بيننا.”

هل أصبحت فريسة للحب؟

ما أنا إلا أسيرة محبوسة في قفص قلبك الأرجواني… يليق بي ظلام الليل الموهن في أعماقك… لقد أوهنتني، بل غزوتني واستعمرتني كما لم يفعل أي محتل… تتصفحني وكأنني قصة تقرأها قبل النوم… هل تراني ككتاب عذري مغلق على سره؟… رواية لم تفصل أوراقها عن بعضها البعض… بل ضللت كتاباً من تلك الكتب القديمة… التي ما عاد المرء يتوقع مصادفتها في حياته!

يقول العاذلون: أما وجدتِ حباً أهون من حبه؟… أم أن حشوداً من البشر هزت كيانك وقلبت موازينك بما يسمونه بالعشق؟!… وما يدري العاذلون ما ألاقي… لا ولا ذاقوا خمر عشقه ولا شعروا به بقلبي!… فيا رحمة لقلبي ممّا تقول العواذل… لم يكن من بني الإنسان!… بل كان كائناً ملائكياً مسّ قلبي وهزّ كياني… أتوق إليه شوقاً سماوياً فلا أريد إلا أن أدخله بين ضلوعي وأستنشقه كالأكسجين… منذ عرفته!

لم تلمس ريشة الضوء محبرة الليل إلا لتكتب على جبين الصبح حكايات من السهر… ينام الناس وأسهر ليلي، أساير النجوم في مسالكها… لا أرى حينما أنظر غيره ولا أبصر سواه، أراه بين سطور الكتب إن قلّبت نظري بين صفحاته… أراه في كل شيء ألمحه فإن أغمضت عيني أرى طيفه في ثنايا الأحلام.

إلهي! … من أين لي أن أروي هذا الظمأ الروحي؟… إنه كالخل للعطشان، يشربه فيحرق أمعاءه ويزيد ظمأه… فهل وقعت ضحية من ضحايا الحب؟… كما قال الطنطاوي: هذه الكلمة المؤلفة من حرفين اثنين، الحاء التي تعبّر عن الحنان والباء الساكنة التي ترى الفم وهو ينطق بها مجموع الشفتين وكأنّه متهيئ لقبلة! لا يهم!… فكل ما أعرفه… أنّني متيمةٌ بحبك لا محالة… وسلامٌ على قلبي من بعدك!

أقوال موجزة في العشق السرمدي

  • الحب النقي الصادق فعليًا، يمكننا أن نعرف كيف بدأ علينا، ولكنه لا ينتهي أبدًا مهما انتهت الحياة يظل في الذكرى خالدًا.
  • الحياة كلها لها معنى، لكن هذا المعنى لا يعرفه إلا من أحب بكل صدق ووفاء النبض.
  • الحب الصادق، لا يعترف بالنرجسية ولاالأنانية، لأن الحب الصادق فعلاً يجعل من الأناني يكون أكثر تضحية لمن يحبهم حقًا.
  • عيد ميلاد، الحب الصادق ليس له يوم يولد به ونحتفل لأجله، إنما هو العمر بأكمله.
  • الحب الحقيقي النقي الصادق لا يعترف لا بالمسافات ولا بالمستحيلات، لأن الحب إن صدق نفعل لأجله الممكن، ونجتاز كل مستحيل.
  • الحب الصادق يمكن أن نشبهه بالذهب، لأن الذهب مهما مر عليه العمر لا يصدأ بل يزداد سعرًا وقيمةً.
  • أردت أن أكون معك إلى وقت لا يعد، أردت التواجد بقربك إلى أن ينتهي العالم أو أنتهي أنا، المهم أن لا يترك أحدنا الآخر، خشيت من أن أظل عالقاً في الذكريات، أن أبحث عنك في وجوه الآخرين، أن أتذوق مرارة غيابك، ولم يتحقق شيء مما ذكرته، سوى كل ما كنت أخشاه.
  • لكنني كنت دائما أرى أن الاعتراف بالحب فضيلة، وأن خير الحب أوله، وأنه في اللحظة التي ينبض قلبك فيها، فلا تؤخر شعور اليوم إلى الغد، لكنني هذه الليلة فقط.
  • آمنت أنه عليك أن تعد للألف خيبة قبل أن تعترف بالحب، وأن كسر ما قبل الاعتراف يجبر، وبعد الاعتراف تصبح أضلاعك هشة جدا.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

ومضات قصيرة عن الحب

المقال التالي

تأملات في الغرام والوجد

مقالات مشابهة