تمهيد
الأب هو الأساس القويم للعائلة، الركن الذي تستند إليه النفوس. هو القدوة الحسنة التي تُنير درب الأبناء، والملجأ الآمن الذي يمنحهم الدفء والحنان. الأب هو السند الذي لا يميل، والمرجع الذي يوجه ويرشد.
يُعَلِّم الأب أبناءه أصول الحياة وقيمها النبيلة، ويدربهم على تحمل المسؤولية والالتزام. إنه المعين الذي لا ينضب، والجود الذي لا ينقطع.
مهما كثرت الكلمات وتنوعت العبارات، فإنها تعجز عن وصف مكانة الأب وعظيم فضله. فمنه نتعلم معنى العطاء والتضحية، وإليه نلجأ في أوقات الشدة والرخاء.
نظرات في الأبوة
إلى النبع الذي يروي عطش الروح، إلى الشجرة الوارفة الظلال التي تحمينا من حرارة الأيام، إلى الملاذ الآمن الذي نلوذ به في كل حين:
قد لا أستطيع أن أوفيك حقك كاملاً، ولكنني أعلم أن قلبك أوسع من أي وفاء. أسأل الله أن يرعاك ويجزيك خير الجزاء.
أبي، يا منبع الآمال وموطن الوجدان، إليك أرسل أشواقي وحنيني. يا صاحب القلب الأعظم، أنت الملهم الذي تستحقه القصائد والأشعار.
قد تكون في نظر العالم مجرد أب، ولكنك في نظري العالم بأكمله.
يا وردة أحلامي، ويا ينبوع حناني، يا شمس الأماني، ويا أحلى من في الوجود.
أبي الغالي، يا أول نظراتي في الحياة، يا بلسم قلبي الشافي، يا من وجدت في الحياة لأبرك بعد عبادة ربي، يا قلبي النابض.
إلى قدوتي الأولى ونبراسي الذي يضيء دربي، إلى من علمني أن أواجه تحديات الحياة بثبات وصبر، إلى من أعطاني بلا حدود، وإلى من أفتخر به دائمًا. أبعث لك باقات حبي واحترامي، وأدعو الله أن يحفظك ذخرًا لنا.
يا أبي، يا نبع الحنان، أنت بلسمي ودوائي، أنت حياتي وبهجتي. أنت ظلال العطف التي تغمرني بالحنان، وأنت ديار الحب والأمان.
هذه كلمات أكتبها إليك بمداد قلبي، وأبعثها إليك مع عبير الورد والياسمين. يا قمرًا أضاء ظلام عقلي، ويا شمسًا أذابت جمود قلبي.
يا من غرست حب الله في فؤادي، ورسخت عقيدة التوحيد في أعماقي، يا من كنت لي أبًا في الحنان، ومعلمًا في الأخلاق، وأخًا في النصح والإرشاد. نصائحك نور أسير عليه في حياتي، وابتسامتك ثلج يطفئ خوفي وألمي.
أنت البحر الواسع لقلبي، والموج الدافئ لعقلي، وبياض قلبك بدر في سماء نفسي. مهما وصفتك فلن أستطيع أن أوفيك حقك.
عندما تتزاحم الأفكار وتضطرب النفس، وعندما يزورني الحزن ويغمرني الأسى، وعندما يضيق صدري بالهموم، أنادي بأبي.
كلمة أبي تمحو كل ألم، وتحتويني بحنانها، وتضمني إلى صدرها الدافئ. أنت نبع الحنان السامي، ونبع الحب الصافي.
أبي، أنت من علمني معنى الحياة، وأنت من أمسك بيدي على دروبها. أجدك معي في ضيقي، وأجدك حولي في فرحي. أنت توافقني في رأيي، وتنصحني إذا أخطأت، وتأخذ بيدي إذا تعثرت.
أنت النور الذي يضيء حياتي، والنبع الذي أرتوي منه حبًا وحنانًا. أنت الأب الذي أفتخر به بين الأنام. هنيئًا لي بك أيها الأب العظيم. مهما قلت ومهما كتبت، يعجز لساني عن التعبير عما في قلبي.
إليك أهدي هذه الكلمات يا من أنت أغلى من نفسي، وأحب إلي من روحي، وأعز علي من قلبي. يا من أجد عنده سعة الصدر ولين الجانب، وأشعر بحرصك وخوفك علي.
تغمرني بحنانك، وتحرسني بعيونك، وتحميني من نوائب الدهر. مهما وصفتك فلن أستطيع، فالحروف والمعاني عن وصفك عاجزة. ولا يسعني إلا أن أقول: وفقك الله ورعاك وسدد للخير خطاك.
أقوال مأثورة في الأب
- أب واحد خير من عشرة مربين (جان جاك روسو).
- يزأر الأسد و لكنه لا يلتهم صغاره (مثل بلغاري).
- لا يغفو قلب الأب، إلا بعد أن تغفو جميع القلوب (ريشيليو).
- من لا يستطيع أن يقوم بواجب الأبوة، لا يحق له أن يتزوج و ينجب أبناء (جان جاك روسو).
- ليس هناك فرح أعظم من فرح الابن بمجد أبيه، و لا أعظم من فرح الأب بنجاح ابنه (سوفوكليس).
- نعرف قيمة الملح عندما نفقده، و قيمة الأب عندما يموت (مثل هندي).
- ليس أرق على السمع من كلام الأب يمدح ابنه (ميناندر).
- الأب وحده الذي لا يحسد ابنه على موهبته (جوته).
قصيدة عن الأب
يا أبَتِي تلاشى ذلك التَّعَبُ
كشمسٍ خلف تلك القمَّةِ الشمَّاءِ تَحتجِبُ
سنونَ العمرِ قد ذهبتْ
وأبقتْ في مُخيِّلتي
طيوفاً من مرارتها بكَتْ في جَفْنِيَ الْهُدُبُ
أتذكُرُ يومَ أنْ كُنا
على الأبواب نرتَقِبُ؟
نرى ظِلاًّ على الدربِ
ولهفتُنا تزيدُ، تزيدُ لَمَّا كنتَ تقتربُ
لأنكَ سوفَ تحملنا على كتفيكَ في حُبِّ
على عينيك والقلْبِ
وكنتُ أظنُّ يا أبتي
بأنِّي حين تحملُني تناجيني نجومُ الليل والشُّهُبُ
لقد كُنا نرى ظِلاًّ
فلم نكُ مرَّةً نرنو
لوجهك في النهار ضُحًى
ولا ظهراً ولا عصرا
ولا عند المغيب مَساء
فإنك دائماً تَمضي
إلى عملٍ معَ الفجْرِ
تُقَبِّلُنا .. تُودِّعُنا ..
ودمعةُ أُمِّنا تجري
وإنك كنتَ في حَلَكِ الدُّجى تأتي
تُطِلُّ كطلعةِ البدْرِ
وفي عينيك نَوحُ أسى
وجسمكَ هَدَّهُ التَّعَبُ
ويبسِمُ ثغرُكَ الوضَّاءُ في شغفٍ
وتضحكُ كي تُخبِّئَ عن صغارِك كل آلامٍ تُعانيها
ولكنْ كنتُ من صِغري
أرى الآلام تبدو من ثنايا البسمةِ الْحُبلى بآهاتٍ وأشجانِ
وأنَّاتٍ وأحزانِ
فمهما كنتَ يا أبتي تُواريها
بنورِ جبينكَ الأَسنى
وبسمةِ وجهكَ الأسمى
وثغرُك باسماً يبدو
وبلبلُ دَوحِهِ يشدُو
فكنتُ أرى ضلوعَ الصَّدْرِ تلتَهِبُ
ومقلةَ عينِكَ الوسْنى
تُكَفْكِفُ عبرةً حَرَّى
وتنفثُ زفرةً أُخرى
ومِنكَ القلبُ ينتحِبُ
ومَرَّ العُمْرُ طيفَ كَرى
كبَرقٍ في الظلام سَرى
وأنت اليومَ قد جاوزتَ سِتِّيناً من العُمْرِ
مضَتْ.. لكنها كانت كحمْل الدَّينِ والصَّخْرِ
وتبقى أنتَ نبراساً لنا أبتي
تُنِيرُ حَوالكَ الدَّهْرِ
تُعلِّمنا وتُرشدنا
بعلمٍ منكَ لا تأتي به الكُتُبُ
وكنتَ تقول: أولادي
مع التَّقْوى
مع الإيمانِ بالقَدَرِ
يعيشُ المرءُ في الدنيا بلا ضنْكٍ ولا قهْرِ
وحُبُّكَ كان يُمطرنا بتحنانٍ
مدى الأيامِ لا تأتي به السُّحُبُ
نظمتُ قصيدةً لأبي
بدمعِ الحب والإخلاصِ
والياقوتِ والذهبِ
ومِنْ عَرَقٍ لِجَبْهتِهِ
أخذتُ مِدادَ قافيتي
مداداً مُثقَلاً بالهمِّ والآلام والنَّصَبِ
نظمتُ قصيدةً لأبي
ببحرٍ سوف أملؤُهُ
بمهجة قلبيَ الْمُضنى
بأوردتي
قوافيها هي الشُّهُبُ
وذي كلماتِيَ الخجلى
تقول اليوم: يا أبتي
تلاشى ذلك التَّعَبُ
مكانة الأب وأهميته
الأب ليس مجرد فرد في الأسرة، بل هو الركن الأساسي الذي تقوم عليه. إنه السند الذي يعتمد عليه الأبناء في كل مراحل حياتهم، والقدوة التي يقتدون بها في أقوالهم وأفعالهم.
الأب هو المعلم الأول الذي يغرس في أبنائه القيم والأخلاق الحميدة، ويعلمهم كيف يواجهون تحديات الحياة بثقة وصبر. إنه الموجه والمرشد الذي يقدم لهم النصح والإرشاد، ويساعدهم على اتخاذ القرارات الصائبة.
الأب هو مصدر الأمان والحنان الذي يمنح الأبناء شعورًا بالدفء والاستقرار. إنه الصدر الحنون الذي يلجأون إليه في أوقات الشدة، والملجأ الآمن الذي يحتمون به من قسوة الحياة.
وقد حثنا ديننا الحنيف على بر الوالدين والإحسان إليهما، وجعل ذلك من أعظم القربات إلى الله تعالى. قال تعالى:
وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا
وفي الحديث الشريف عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها. قال: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله








