رحيل الأم: فقدان الروح
منذ رحيلك يا أمي، شعرت بأن الحياة توقفت. اختفى النور الذي كان يضيء دربي، وتحول العالم إلى مكان موحش ومظلم. أصبحت تائهاً، لا أشعر بوجودي ولا بمن حولي. فقدت طعم الأشياء، وأصبحت الأيام متشابهة، لا تميز بينها. أدركت أنني كنت أسير بفضل رضاك ودعائك، والآن كل شيء يسير بصعوبة بالغة. أشعر بثقل كل شيء، وأجد صعوبة في التحدث أو مقابلة الناس.
أصبحت مشاعري باردة، والمنزل الذي كنتِ تملئينه بالدفء أصبح خاوياً. أفتقد صوتك وابتسامتك ونظرة عينيك الحنونة. المقعد الذي كنتِ تجلسين عليه لقراءة القرآن أصبح رفيقي، والبيت يبدو أكثر ظلاماً من القبر.
رحيل الأم: جرح في الذاكرة
على الرغم من مرور السنوات، لم أستطع نسيان تلك اللحظات العصيبة. لم يغب عن ذاكرتي وجه والدتي، ولا تلك العينين النائمتين، ولا البرودة التي غطت جسدها. كانت اللحظات الأخيرة قبل وفاتها هي الأصعب، أنفاس متقطعة ونبضات ضعيفة وجسد واهن.
كانت أمي امرأة قوية، ورغم الآلام والصعوبات، لم تفقد الأمل. همساتها الأخيرة كانت تئن في صدري، آلام لم يخالطها إلا ذكر الله تعالى وشهادة بوحدانيته واستغفار مستمرّ. كم كان صعباً أن أشاهدها على هذا الحال، عاجزاً عن مساعدتها. لم تستطع تلك الذكريات الأليمة أن تختفي، أزور قبرها فتتمثل أمامي تلك المشاهد، ولا أملك لها إلا الدعاء بالرحمة وأن يجمعني الله بها في جنات النعيم.
رحيل الأم: يتم أبدي
منذ رحيلك يا أمي وأنا أشعر أنني شجرة اقتلعت جذورها. أقف بضعف تهددني أي ريح، وكم هي قاسية أيامي الحزينة بدون يدك التي تربت على كتفي ودعواتك التي ترافقني. أيام الفرح أصبحت ناقصة دون فرحتك من أجلي، فشعوري باليتم لا يفارقني وكأنني ما زلت طفلاً صغيراً.
أفتقد عطفك وأمنياتك الصادقة لي بالنجاح والسعادة. المنزل دونك فارغ وبارد ومظلم، والحديقة ذابلة بلا حياة. يفتقدك الأحفاد والأقارب والجيران، يشتاقون إلى استقبالك الحار وكرمك المفرط وأحاديثك الجميلة.
رحيل الأم: كسر القلب
من الصعب عليّ حقاً استيعاب رحيل والدتي. الحياة باتت ناقصة وقلبي مكسور يعتصره الألم، ولا أظن أن لجرحي شفاء مهما طال الزمن. الأم لا تعوّض، فليس أحنّ منها على الإنسان. هي التي حملت وأنجبت وأرضعت وربّت وعلّمت. كبرت بفضل تعبها وتضحياتها اللانهائية. كم يحزنني فراقها، وكم أشتاق لاحتضانها وسماع صوتها.
كانت أمي بمثابة صديقتي وقدوتي ومعلمتي. زرعت فيّ حسن الخلق ومخافة الله، فتعرفت على معنى نقاء القلب بفضل طبعها اللطيف. رحمك الله يا أمّي وجزاكِ عنّي وعن إخوتي خير الجزاء.
رحيل الأم: انطفاء اللحظات الجميلة
منذ فراقك الصعب فارقتني اللحظات الجميلة، وكأنّ كل ما هو جميل ذهب وانطفأ بغيابك المفجع. غدت اللحظات الجميلة بالنسبة لي مجرد ماضٍ أستذكره، أما الحاضر والمستقبل فلا وجود للسعادة أو الجمال بهما، فكل شيء ينغّصه الفقد. الماضي هو كلّ ما أملك بذكرياتي السعيدة مع والدتي.
لم أعد أستمتع بما كنت أستمتع به سابقًا. الأطعمة التي كنت أحبها لم تعد مفضلة بالنسبة لي فهي تذكرني بوالدتي التي كانت تحرص على تقديمها لي. أستمر دائمًا باسترجاع لحظاتي الجميلة معها وأيامي الأولى في المدرسة ونجاحي ودخولي الجامعة وتخرجي وعملي، كل ذلك كان له معنى كبير عند رؤية السعادة على وجهها رحمك الله يا أمي.
قال تعالى: “وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ” (البقرة: 155-157). فنسأل الله أن يجعلنا من الصابرين.
وفي الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له”. فنسأل الله أن نكون من الولد الصالح الذي يدعو لوالدته.








