تأملات في حق الوالدين

منزلة الوالدين في الإسلام وأهمية برهما. أدعية للوالدين. الأب والأم: نعمة، سند، ومصدر الأمان

مكانة الوالدين

الأم والأب هما السند الحقيقي، والحصن الأمين، ومنبع العطاء بلا حدود. بوجودهما تستقيم الحياة، وتزدهر النفوس، وبهما يتحقق الرضا. لقد أولى الإسلام عناية خاصة بحقوق الوالدين، وجعل برهما من أعظم القربات. فالله سبحانه وتعالى أوصى بالإحسان إليهما في آيات كثيرة، وجعل ذلك من أسباب الفلاح في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: “وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا” (الإسراء: 23).

فلا يكفي مجرد الكلمات الطيبة، بل يجب أن يصاحبها فعلٌ كريم، وعملٌ صالح، يرضي الله ويرضيهما.

وقفات إيمانية في بر الوالدين

يا من تسكنين قلبي، وترافقينني في كل لحظة من حياتي، في الفرح والحزن، في الصحة والمرض، كيف لي أن أعيش بدونك يا أمي؟ أنتِ النبض، وأنتِ النور، وأنتِ الروح التي تسكن جسدي. أنتِ تاجي الذي أفتخر به أمام الجميع، ومدرستي التي علمتني وربتني، وتحملت عني المشاق. يا صدري الحنون الذي أبث فيه همومي وأحزاني، ماذا أهديكِ يا نعمة من الله؟ أماه، اعذريني إن قبلت قدميك قبل رأسك، ففيها أشم رائحة الجنة.

تتلاشى الكلمات، ويعجز اللسان عن التعبير، وتخنقني الدموع كلما رأيت تجاعيد الزمن تزين وجهك، وكلما رأيت تعب السنين يثقل رأسك. يا أمي، يا منبع سعادتي، ضُمّيني إليك، فأنتِ الصدر الوحيد الذي يريحني من أعباء الحياة. يا أمي، المسِ بيدكِ وجنتي، فيدكِ المباركة هي الكف الوحيد الذي أتمنى أن أضع رأسي عليه كلما ضاقت بي الدنيا، وصدرك الملاذ الآمن الذي يخلصني من همومي. سرحي بيدك شعري، فأنا أشتاق لدفء الشوق في صدرك، أشتاق للمساتك وحنانك. يا أمي، احكي لي قصة، وغني لي بصوتك العذب الحنون، فكلما رأيتك أشتاق لطفولتي، ومهما كبرت فأنا طفلك المدلل الذي يرفض أن يكبر يوماً بين ذراعيك. بين يديك كبرت، وفي دفء قلبك احتميت، وبين ضلوعك اختبأت، ومن عطائك ارتويت.

أبي، أنت القدوة والمثل الأعلى في حياتي، منك تعلمت كيف أكون إنسانًا أفضل. أمي، لن أسميكِ امرأة، سأسميكِ كل شيء.

إليك يا أغلى الناس، يا أبي الحبيب، أكتب هذه الكلمات بمداد قلبي، وأرسلها إليك مع عبير الورد والياسمين، يا قمرًا أضاء ظلام عقلي، ويا شمسًا أذابت جمود قلبي، وفجرت ينابيع الأمل. ليس في الدنيا من البهجة والسرور ما يضاهي فرحة الأم بنجاح ولدها.

الأم شمعة مقدسة تضيء ليل الحياة بتواضع ورقة وفائدة. باقة ورد من حديقة قلبي أنثرها بين كفيك وأقول لك، أحبك يا أمي. أنتِ البحر كله، وأنا الموج في وسطه، مهما ارتفع موجي سأرجع إليك يا أمي. أروع القلوب قلبك، وأجمل الكلام همسك، وأحلى ما في حياتي أنك أمي. ربما لم أبركِ تمام البر، لكني أعلم أن قلبكِ أكبر من أي بر، رعاكِ الله، وجزاكِ من الثواب أجزلَه.

أبي، يا منبع الآمال، يا وجدي، إليك أبث شوقي وحنيني، يا أعظم قلب في الوجود، لمثلك يكتب الشعر والقصيد. إليك يا أبي، يا سندي في هذه الحياة، يا من زرعت فيّ طموحًا صار يدفعني نحو الأمام، إلى مستقبل ناجح، أحبك يا أبي. حين تتكلم عن عمق الحب، انظر إلى مكانة الأب في قلب ابنته.

أبي، يا صاحب القلب الكبير، يا صاحب الوجه النضر، يا تاج الزمان، يا صدر الحنان، أنت الحبيب الغالي، وأنت الأب المثالي، وأنت الأمير، لو كان للحب وسام، فأنت بالوسام جدير. إلى أبي، يا من يهواه قلبي وعقلي وكل جوارحي، أسعد الله أوقاتك بالخير والصحة والعافية والمسرات.

ما عرفت قطرة نقية إلا من عين أمي حين تبكي، يقع فنجان قهوتي، وينام دوار الشمس. الأم هي التي تعلمنا معنى العطاء والخير من دون انتظار المقابل، فقط لأصالة النفس ومحبتها. قلب الأم هو مدرسة الولد. ليس في الدنيا فرح يعدل فرح الأم عندما يحالف ابنها التوفيق. ابحث في قلب أي امرأة تجد أمًا.

هل تكفيكِ دماء قلبي مدادًا لكلمات أخطها إليكِ، وهل تكفي بتلات الأزهار ووريقات الورود كراسات لكلماتي، يا أمي، أنحني تواضعًا وخجلاً أمامك يا أعظم نساء الكون، يا سراجًا أنار قناديل دنيتي وشمعة ذابت لتدفئ قلبي. يا أمي، أخبريني كيف أقدم لك السعادة التي منحتني إياها، أخبريني كيف أزرع البهجة في قلبك كما زرعتِ الأمل في كل سنين عمري، علّميني يا أمي، يا تاريخ حياتي، يا أجمل فرحة زينت ملامح طفولتي، وزرعت الثقة في حاضري، ورسمت أبعاد مستقبلي، يا أمي، علّميني كيف يكون العطاء دون مقابل ودون حساب لآخر رمق في أنفاسي.

إلى قدوتي الأولى، ونبراسي الذي ينير دربي، إلى من علمني أن أصمد أمام أمواج البحر الثائرة، إلى من أعطاني ولم يزل يعطيني بلا حدود، إلى من رفعت رأسي عاليًا افتخارًا به، إليك يا من أفديك بروحي، أبعث لك باقات حبي واحترامي وعبارات نابعة من قلبي، وإن كان حبر قلمي لا يستطيع التعبير عن مشاعري نحوك، فمشاعري أكبر من أسطرها على الورق، ولكني لا أملك إلا أن أدعو الله عز وجل أن يبقيك ذخرًا لنا ولا يحرمنا ينابيع حبك وحنانك.

إليك يا أبي يا نبع الحنان، فأنت بلسمي، أنت حياتي والهوى وتبسمي، أنت ظلال العطف يملؤه الحنان، أنت ديار الحب والحنان، أجهدت نفسك بلا ضجر. أبي الحبيب، أنت النور الذي يضيء حياتي والنبع الذي أرتوي منه حبًا وحنانًا، أنت الأب الذي يشار إليه بالبنان ويفتخر به بين الأنام، فهنيئًا لي بك أيها الأب العظيم، فمهما قلت ومهما كتبت يعجز لساني عن أن يجد كلمات تعبر عما في قلبي لأوفيك حقك، فما في قلبي لك أكبر من أن أوفيه بالكتابة، وما أكنه لك من حب واحترام يفوق كل وصف، لذا فإنني لن أستطيع أن أصف ما بداخلي من مشاعر نحوك، فأنت خير أب ربيتني فأحسنت تربيتي، علمتني كيف أحب الحياة وأعيشها، فأنت خير قدوة لي أقتدي بك وأسير على نهجك، إن هذه السطور التي أدوّنها يا أبي قليل من كثير أحمله لك في قلبي الذي يحبك كثيرًا.

ابتهالات للوالدين

اللهمَّ يا باسط اليدين بالعطايا، ابسط على والدايّ من فضلِك العظيم وجودك الواسع أن تشرح بهِ صدورهما لعبادتك، وطاعتك، والأُنس بِك، والعمل بما يرضيك، ودوام ذِكرك، وبارك لها في عُمرهما بركة تهنئهما بها في معيشتهما، وتلبسهما بها ثوب العافية في قلبهما، وروحهما، وعقلهما، وجسدهما، واغنهما من فضلك، وأعِنهما في حِلهما، وترحالِهما، وذهابهما، وإيابهما، وأطل في عمرِهما مع العافية في صحتهما ودينهما، واجعل اللهمَّ آخر كلامهما من الدنيا لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأنزلهما منازل الشهداء والصدقين في قبرهما، ومدّ لهما مد البصر، وأنر طريقهما، واكفهما جوابِ الملكين، وثبّتهما عند النزول في لحدِهما، اللهمَّ اكفهما كل هول دون الجنة حتى تبلِّغهما إياها، وأسبِغ عليهما من سترك يا ستّار، فلا تهتك لهما ستراً، ولا تفضح لهما أمراً لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا تشمِت بهما عدوّ، ولا تجعلهما أضحوكة لأحد، وثبت عليهما عقلهما، ودينهما، وإيمانهما.

اللهمَّ ارحم والداي واغفر لهما، اللهمَّ وارض عنهما رضاً تحل به عليهما جوامع رضوانك، وتحلهما به دار كرامتك وأمانك، ومواطن عفوك وغفرانك، وأسبغ عليهما لطائف بِرّك وإحسانك. اللهمَّ اغفر لهما مغفرةً جامعة تمحو بها سالف أوزارها وسيئ إصرارها، اللهمَّ وارحمها رحمة تنير لهما بها المضجع في قبرهما، وتؤمنهما بها يوم الفزع عند نشورها.

اللهم اشفِ والداي شفاءً ليس بعدهُ سقما أبداً، اللهم خذ بيدِهما، اللهمَّ احرسهما بعينيك التي لا تنام، واكفهما بركنك الذي لا يُرام، واحفظهما بعزك الذي لا يُضام، واكلأهما في الليل وفي النهارِ، وارحمهما بقدرتك عليهما أنت ثقتهما ورجاؤهما، يا كاشف الهَمّ يا مُفرج الكَرب يا مُجيب دعوة المُضطرين، اللهمّ ألبسهما ثوب الصحةِ والعافيّة عاجلاً غير آجلاً يا أرحم الراحمين، اللهم اشفهما، اللهم اشفهما، اللهم اشفهما.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

تأملات في عالم النسيان

المقال التالي

تأملات في الفراق: خواطر وكلمات مؤثرة

مقالات مشابهة