مقدمة
يوم القيامة هو اليوم الذي وعد الله به عباده، يوم الحساب والجزاء. وقد وصفه الله -جل جلاله- في القرآن الكريم بأوصاف عظيمة، تثير الفزع والخوف في قلوب المؤمنين، وتحثهم على العمل الصالح والتقوى. من بين هذه الأوصاف، وصف زلزلة الساعة بأنها “شيء عظيم”، وهذا الوصف يحمل في طياته معاني ودلالات عميقة.
تحليل وتدبر الآية الكريمة
لقد أوضح الحق تبارك وتعالى عظمة هذه الزلزلة في الآية التي تليها، حيث قال:
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَـكِنَّ عَذَابَ اللَّـهِ شَدِيدٌ).[الحج: 1-2]
عند التأمل في لفظ “مرضعة”، نجد أنه أبلغ من لفظ “مرضع”؛ لأن العرب تستخدم كلمة “مرضعة” تحديدًا عندما يكون الطفل في حضن الأم ويرضع بالفعل. ففي هذا الوقت تحديدًا، تتجلى عظمة الهول، حيث تنسى الأم رضيعها الذي التصق بصدرها، وتذهل عنه رغم كل ما لديها من غريزة الأمومة.
وبالمثل، فإن الحامل تسقط جنينها قبل موعده، من شدة الفزع والرعب الذي يعتريها. وينتشر بين الناس حالة تشبه السكر، ولكنهم ليسوا بسكارى حقيقة، بل إن شدة عذاب الله -عز وجل- تجعلهم يتصرفون وكأنهم فاقدون الوعي.
مشاهد من أهوال يوم الحشر
إن تدبر سورتي الواقعة والزلزلة يعطينا تصورًا لما سيحدث للأرض في ذلك اليوم العظيم. أهوال القيامة ستكون جسيمة، بحيث تذهل العقول وتفقد الناس صوابها. يقول تعالى:
(إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ* لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ* خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ* إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا* وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا* فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا).[الواقعة: 1-6]
ويقول سبحانه:
(إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا* وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا).[الزلزلة: 1-2]
تبدُّل الكون وتغير الأحوال
الأمر لا يقتصر على الأرض وحدها، بل يشمل السماء وكل ما فيها. كل شيء سيتحول ويتغير، ولن يبقى على حاله الذي نعرفه. الشمس لن تكون كما هي، والكواكب لن تستقر في مداراتها، والسماء ستتشقق وتنفطر. يقول تعالى:
(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ* وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ* وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ* وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ* وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ* وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ).[التكوير: 1-6]
ويقول سبحانه:
(إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ* وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ* وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ* وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ).[الانفطار: 1-4]
ويقول:
(إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ* وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ* وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ* وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ* وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ).[الانشقاق: 1-5]
كل هذه الأحداث الكونية والتغيرات الهائلة التي ستبدل الأرض بغير الأرض، والسماوات بغير السماوات، ستأتي فجأة، دون سابق إنذار أو تحديد للموعد.
الحكمة من التخويف بأهوال الساعة
إن الغاية من هذا التخويف والإنذار هو أن يتقي العباد ربهم في الدنيا، ليحموا أنفسهم من العذاب الشديد في الآخرة. لهذا السبب، أنذرنا الله وحذرنا، وبين لنا مصير هذا العالم، والمآل الذي سيؤول إليه الناس نتيجة أعمالهم في هذه الحياة الدنيا، دار العمل والابتلاء. فلنجعلنا الله من المتعظين المهتدين في الدنيا، ومن الناجين الفائزين في الآخرة.
المصادر والمراجع
- القرآن الكريم
- الكشاف للزمخشري
- أضواء البيان للشنقيطي
- تيسير الكريم الرحمن لعبد الرحمن السعدي








