بيان حكم التسبيح باليد الأخرى

استكشاف آراء العلماء حول حكم استعمال اليد اليسرى في التسبيح، مع تفصيل الأدلة الشرعية والمذاهب الفقهية المختلفة.

مقدمة

يعتبر التسبيح من الأذكار العظيمة التي حث عليها الإسلام، وهو وسيلة لذكر الله تعالى وتقوية الصلة به. وقد اختلف العلماء في كيفية التسبيح، وخاصة فيما يتعلق باستخدام اليد اليمنى أو اليسرى أو كلتيهما. هذا المقال يسعى إلى استعراض هذه الآراء المختلفة مع الأدلة الشرعية التي استندوا إليها.

تبيين حكم التسبيح باليد الأخرى

يجوز التسبيح باليد الأخرى وفقًا لعدد من العلماء، على الرغم من أن التسبيح باليد اليمنى يعتبر أفضل وأكمل. ومع ذلك، فإن الأمر يتسع لاستخدام أي من اليدين أو كلتيهما، طالما أن الهدف هو ضبط العدد. فيما يلي توضيح لآراء العلماء في هذه المسألة:

آراء العلماء في المسألة

رأي بعدم الجواز باليسرى

هذا هو رأي الشيخ الألباني -رحمه الله-، الذي يرى أنه لا يجوز التسبيح باليد الأخرى، بل يعتبر ذلك مخالفة للسنة. استند الشيخ الألباني في رأيه إلى حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-:(رأيتُ رسولَ اللهِ يعقدهنَّ بيدِه..)،[١]-أي التسبيح- قال: أي اليمنى.[٢] وقال إنها زيادة صحيحة في سنن أبي داود مفسّرة لرواية “بيده” معقبا بقوله إن: “من سبح باليسرى فقد عصى، ومن سبح باليدين معا كما يفعل كثيرون فقد(خَلَطوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّـهُ أَن يَتوبَ عَلَيهِم)،[٣]ومن خصه باليمنى فقد اهتدى، وأصاب سنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-“.[٢]

ويرى أصحاب هذا الرأي أن تخصيص اليد اليمنى بالتسبيح هو اتباع للسنة النبوية، وأن استخدام اليد الأخرى قد يكون فيه مخالفة لهذا الهدي النبوي.

رأي بجواز التسبيح بكلتا اليدين

ذهب الشيخ بكر أبو زيد إلى جواز التسبيح بكلتا اليدين، معتبراً أن ذلك هو إعمال لهما في العبادة. استدل الشيخ أبو زيد بتوجيه النبي -صلى الله عليه وسلم- للنساء بأن يعقدنّ التسبيح بأناملهنّ:(عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ، وَاعْقِدْنَ بِالأَنَامِلِ فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ..)،[٤]ويرى أن هذا يشمل أصابع اليدين.

كما يرى أن لفظ “اليد” في الحديث يشير إلى اليدين معًا، ويستشهد بوضعهما على الصدر في الصلاة كزينة لها، معتبراً أن التسبيح باليدين معًا بعد الصلاة هو أيضاً زينة.

كما اعتبر أنّ لفظة “بيمينه” قد تفرّد بها شيخ أبو دواد معللاً ذلك بأنّ الحديث قد اتحد مخرجه، وجميع أقران محمد ابن قدامة شيخ أبي دواد لم يأتوا بهذه الزيادة، وفيهم من هو أوثق وأضبط منه، ولفظة “بيمينه” ليست من كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا من كلام الصحابي راوي الحديث.[٥]

رأي بجواز كلتيهما مع تفضيل اليمين

هذا ما جاء في فتاوى اللجنة الدائمة، حيث بينوا أنه لا حرج في استخدام كلتا اليدين للتسبيح أخذاً بظاهر توجيه النبي -صلى الله عليه وسلم- للنساء السابق ذكره، وأن ألفاظ الحديث لا تعارض بينها، وأنّ بعضها جاء مجملاً وبعضها مفسراً كما في الرواية التي فيها “بيمينه”، ويشهد لها حال النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يحب التيمن في شأنه كله، ولهذا فلا حرج في استخدام كلتا اليدين معاً، فالأمر في ذلك واسع، واستخدام اليمين أفضل.[٦]

وهذا ما أكدته دائرة الإفتاء الأردنية أيضاً، فقالوا: “لا حرج من التسبيح بأيِّ كيفية شاء، فالتسبيح باليدين وسيلةٌ لضبط العدِّ، سواء كان بكلتا اليدين أو باليمنى فقط أو باليسرى فقط، لكن التسبيح باليمنى أفضل، ولا ينبغي الإنكار على أحد، فالأمر فيه واسع، واستحباب التسبيح باليمين هو إرشاد إلى ما هو أفضل، ولكن لا ينافي الجواز باليسرى”،[٧]ولعل في هذا الرأي التوسط والبعد عن التعصب في مسائل الخلاف.

المصادر

  1. ↑ رواه الألباني، في صحيح الترغيب والترهيب للمنذري، عن عبد الله بن عمرو، الصفحة أو الرقم:1594، صحيح.
  2. ↑ أبالإمام البخاري (1997)،صحيح الأدب المفرد(الطبعة 4)، صفحة 471. بتصرّف.
  3. ↑ سورة التوبة، آية:102
  4. ↑ رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن يسيرة بنت ياسر، الصفحة أو الرقم:3583، قال الألباني حسن صحيح.
  5. ↑ بكر أبو زيد (1998)،لا جديد في أحكام الصلاة(الطبعة 3)، المملكة العربية السعودية:دار العاصمة ، صفحة 55-60. بتصرّف.
  6. ↑ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء،فتاوى اللجنة الدائمة، المجموعة الأولى، الرياض:رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء، صفحة 105-107، جزء 7. بتصرّف.
  7. ↑ لجنة الإفتاء (4/5/2021)،”حكم عدّ التسبيح بكلتا اليدين”،دار الإفتاء الأردنية، اطّلع عليه بتاريخ 13/2/2022.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

أهمية العفو والصفح

المقال التالي

ضوابط تسمية المولود باسم إيلين

مقالات مشابهة