مشكلة السمنة التي واجهت الملك
يُروى في سالف العصر والأوان، أن ملكًا من ملوك الزمان الغابر، كان يحكم إحدى الممالك المترامية الأطراف. كان هذا الملك يتمتع بثراء فاحش وجاه لا يُضاهى، إلا أنه كان يعاني من علة خطيرة ألا وهي السمنة المفرطة. لقد تفاقمت حالته إلى درجة أنه أصبح عاجزًا عن الحركة، وأضحى يعيش في عذاب دائم بسبب وزنه الزائد الذي لم يكن يتوقف عن الازدياد.
أدرك الملك خطورة وضعه، وقرر أن يبذل قصارى جهده للتخلص من هذا العبء الثقيل. فأمر على الفور باستدعاء جميع الحكماء والأطباء المهرة إلى قصره، وعرض عليهم مشكلته المستعصية. إلا أن جهودهم باءت بالفشل، ولم يتمكن أي منهم من إيجاد علاج شافٍ لحالته.
محاولة الطبيب تقديم العلاج
ذات يوم، تقدم إلى الملك رجل نبيه وفطن، يمتلك مهارة في الطب وفراسة في الأمور. خاطب الملك قائلاً: “أيها الملك، أرشدني إلى طريقة أو امنحني علاجًا يمكنني من إنقاص وزني الزائد، وسأجعلك من الأثرياء وسأغدق عليك المال والحلي.” فرد الرجل قائلاً: “أدام الله عزك أيها الملك، أنا طبيب ملم بعلم التنجيم، اسمح لي حتى الصباح لأرى ما يمكنني فعله وأي دواء يناسبك.”
عاد الطبيب إلى بيته، وجلس يفكر مليًا في كيفية حل مشكلة الملك وإخراجه من ورطة السمنة المفرطة، ومساعدته على استعادة حياته الطبيعية.
قلق الطبيب على صحة الملك
في الصباح، أسرع الرجل إلى الملك وهو يرتجف من الخوف، وقال: “الأمان الأمان يا أيها الملك!” فسأله الملك: “لك الأمان، أخبرني ما الذي أخافك وأتى بك مسرعًا؟” فأجاب: “يا أيها الملك، لقد نظرت في طالعك ليلة البارحة، ويا لهول ما رأيت! فقد تبين لي أنه لم يبق لك في هذه الدنيا سوى شهر واحد وستفارقنا، وأنك ميت لا محالة. ولكن إذا أردت، فسأعالجك، وحتى تتأكد من صدق كلامي، احبسني عندك. فإن كنت صادقًا فأطلق سراحي، أما إذا لم أصدقك، فافعل بي ما تشاء.” فأمر الملك حراسه بحبس الرجل، وانزوى الملك بنفسه، وانقطع عن رؤية الناس. ومع مرور كل صباح وكل يوم، كان الملك يزداد همًا وغمًا، وكلما اقترب الموعد الذي أخبره به الرجل، كان يزداد كآبة وحزنًا. وهكذا، بدأ جسمه يذبل ووزنه ينخفض تدريجيًا، حتى أصبح نحيفًا وهزيلًا. وفي اليوم الثامن والعشرين، أمر بإحضار الرجل، وسأله: “ماذا ترى في قراءة طالعي الآن؟”
الحل الذي توصل إليه الطبيب
أجاب الرجل: “أعز الله صاحب الملك… هل تظن أنني أعلم الغيب، أو أنني أكذب على الله؟ والله إني لا أعلم عمري فكيف أعلم عمرك؟ ولكن لم يكن عندي أي دواء أفضل من الغم والحزن، ولم أجد وسيلة لإيصاله إليك إلا بهذه الحيلة. فالحزن والغم يزيلان اللحم ويذيبان الشحم.” فأعجب الملك بذكاء الرجل، وأجزل له العطايا والأموال، وعاش الملك في فرحة غامرة بعد أن تذوق مرارة الهم والغم في ذلك الشهر.
العبرة من القصة
العبرة المستفادة من هذه القصة هي أن الصحة نعمة عظيمة يجب علينا الحفاظ عليها، وأنه ليس كل ما نرغب فيه يكون مناسبًا وملائمًا لنا. فالتنازل عن بعض الرغبات قد يكون فيه الخير والفائدة لنا في بعض الأحيان. وفي هذا السياق، يجب علينا أن نتدبر قول الله تعالى في كتابه العزيز:
“لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ” (التين: 4)
فالصحة والعافية هما من أحسن ما أنعم الله به على الإنسان، ووجب عليه صيانتها وشكر الله عليها.
كما أن هذه القصة تذكرنا بأهمية الاعتدال في كل شيء، وعدم الإسراف في الملذات، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
“ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه”
وهذا الحديث الشريف يحثنا على التوسط في الأكل والشرب، وعدم الإفراط الذي يؤدي إلى الأمراض والأسقام.








