المسرح التراجيدي: رحلة في أعماق المأساة
ما هو المسرح التراجيدي؟
يُعرف المسرح التراجيدي بأنه فن دراميّ يُعنى باستكشاف القضايا الإنسانية الكبرى والأسئلة الوجودية. يعرض هذا النوع من المسرح الدراما بشكل جادّ، مُصوّراً أحداثاً مأساوية تُصيب بطل القصة بالمعاناة والحزن لأسباب مُتعددة. قد يكون ذلك بسبب عدم قدرته على التأقلم مع الظروف المحيطة به، أو نتيجة لعيوب أخلاقية أو شخصية. [1]
يُركز المسرح التراجيدي بشكل أساسي على المعاناة الإنسانية، ويهدف من خلال عرضها مناقشتها إلى تخفيف الأثر النفسي السلبي على المُشاهدين. مع ذلك، لا يُغفل المسرح التراجيدي عناصر أخرى كالكوميديا والرومانسية. [2] غالباً ما تستلهم أحداثه من مصادر تاريخية أو أسطورية.
تاريخ المسرح التراجيدي: من اليونان إلى العصر الحديث
ظهرت أولى بوادر المسرح التراجيدي في اليونان القديمة، ضمن مهرجانات مدينة ديونيزيا، والتي كانت حكراً على الرجال في البداية. يُعتبر مسرح الساتير (الكوميديا التراجيدية) الأساس الذي تطور منه هذا النوع من المسرح. [3]
استُخدمت كلمة “تراجيديا” (مأساة) لأول مرة في القرن الخامس قبل الميلاد لوصف هذا النوع من العروض المسرحية في المهرجانات اليونانية. وقد لعبت الحكومات المحلية دوراً مهماً في تطوير هذا الفن، بتوفير الدعم المادي للمواطنين لحضور هذه العروض وتشجيعها.
في القرن الثالث قبل الميلاد، بدأ الرومان بإبداع شكل جديد من المسرح التراجيدي، مع كتاباتهم لمآسٍ خاصة بهم، ولكن لم يُبق التاريخ منها إلا القليل. [4]
شهد عام 1949م نقلة نوعية في المسرح التراجيدي، عندما كتب الكاتب المسرحي آرثر ميلر مقالاً يُبرّر فيه إمكانية جعل الشخصيات الرئيسية في المسرح التراجيدي شخصيات عادية، بدلاً من الأمراء أو الملوك أو الشخصيات الاستثنائية، وهو ما اعتبره البعض انحرافاً عن مفهوم المأساة وأثرها. [3]
أشهر أعمال المسرح التراجيدي العالمية
يُضمّ تاريخ المسرح التراجيدي العديد من الأعمال العالمية البارزة، من بينها ما يلي:
تيتوس أندرونيكوس: تحفة شكسبير المأساوية
تروي هذه المسرحية، من تأليف ويليام شكسبير، قصة الجنرال تيتوس أندرونيكوس وسعيه للانتقام من أعدائه. تتداخل أحداثها مع محاولة ملكة القوط تامورا للانتقام منه لقتله أبناءها. تصل المأساة إلى ذروتها بمجزرة جماعية، حيث يقدم تيتوس لتامورا فطيرة مصنوعة من رفات أبنائها المقتولين، ليُقتل هو الآخر بعدها على يد ساتورنيوس، زوج تامورا.
ركن آمين: نظرة على الإيمان والمعاناة
تتناول مسرحية “ركن آمين” بقلم جيمس بالدوين التناقض بين القيم الدينية والواقعية لدى الشخصية الرئيسية. تروي قصة القس مارجريت جاكسون التي تركت زوجها بعد معاناة فقدان ابنتها، لتتجه إلى الدعوة الدينية هرباً من حياتها ومسؤولياتها. تصل المأساة إلى ذروتها بفقدانها ابنها بعد اكتشافه إخفاءها لحقيقة انفصالها عن أبيه.
ليلة الأم: مأساة عائلية مؤثرة
تدور أحداث مسرحية “ليلة الأم” بقلم مارشا نورمان حول ليلة مصيرية في حياة جيسي، امرأة في منتصف العمر ترغب بإنهاء حياتها. تخبر والدتها برغبتها هذه، وفي حوار طويل، تتّضح إحباطات ومخاوف كل منهما، لتكتشف الأم أنها لا تعرف ابنتها جيداً. تنتهي المسرحية بإقدام جيسي على الانتحار.








