الفكاهة في الشريعة الإسلامية

استكشاف مفهوم الفكاهة في الإسلام وأحكامها، مع التركيز على الضوابط الشرعية وأهمية الفكاهة في الحياة اليومية.

مقدمة عن الفكاهة وأحكامها

تُعرف الفكاهة في اللغة العربية بأنها الدعابة والمرح، وهي عكس الجدية. الفكاهة، سواء بضم الميم أو كسرها، تعني اللطف مع الآخرين وإدخال السرور عليهم دون إلحاق الأذى بهم أو الاستهزاء بهم. عرّفها الزبيدي بأنها التلطف مع الغير والتبسّط معه على وجه الفرح دون أذيّة، بعيداً عن الاستهزاء والسخرية، مع الحرص على عدم الإكثار منه لئلّا يخدش المروءة والهيبة، والامتناع عنه فيه مخالفة لسنة رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، فالاعتدال فيه ما بين بين هو الحل الأمثل والأنسب. الإسلام لا يرفض الفكاهة بالمطلق، بل يشجع عليها بضوابط معينة لكي لا تخرج عن حدود الأدب والأخلاق الإسلامية. الاعتدال هو المفتاح، فالإفراط في الفكاهة قد يقلل من الهيبة والاحترام، بينما الامتناع عنها قد يجعل الحياة جافة ورتيبة.

القيود الشرعية للفكاهة

وضع علماء الشريعة الإسلامية مجموعة من الضوابط التي يجب مراعاتها عند ممارسة الفكاهة، وذلك لضمان توافقها مع تعاليم الدين وأخلاقه:

  • تجنب الكذب: الكذب من أقبح الصفات، ولا يجوز استخدامه حتى في المزاح. قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-:(ويلٌ للذي يحدِّثُ فيكذبُ لِيُضحكَ بهِ القومَ، ويلٌ لهُ، ويلٌ لهُ). ويشمل ذلك النكات التي لا أساس لها من الصحة والتي تسخر من فئة معينة من الناس، أو حتى من أمور الدين.
  • تجنب الاستهزاء بالدين: يجب الابتعاد عن أي نوع من الاستهزاء بالدين أو شعائره أو قيمه. قال تعالى:(وَلَئِن سَأَلتَهُم لَيَقولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخوضُ وَنَلعَبُ قُل أَبِاللَّـهِ وَآياتِهِ وَرَسولِهِ كُنتُم تَستَهزِئونَ*لا تَعتَذِروا قَد كَفَرتُم بَعدَ إيمانِكُم). فمن فعل ذلك، عليه التوبة والاستغفار.
  • عدم الترويع: لا يجوز إخافة المسلمين أو ترويعهم بحجة المزاح. فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فعن عبدالرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم فنام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزع فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحلُّ لمسلمٍ أن يروِّعَ مسلمًا).
  • تجنب السخرية والغيبة: يجب الابتعاد عن السخرية بالآخرين أو الهمز واللمز أو الغيبة. قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
  • الاعتدال وعدم الإفراط: يجب عدم الإكثار من المزاح، بل يجب أن يكون بقدر معقول، كما قال عمر بن عبد العزيز: اتّقوا المزاح، فإنّه حمقة تورث الضغينة، فيجعل المسلم مقدار المزاح في حياته ما يوازي مقدار الملح في الطعام، خفيفاً ليّناً سهلاً.
  • مراعاة الظروف والمقامات: يجب مراعاة المكانة الاجتماعية والعلمية والنفسية للأشخاص عند المزاح معهم.
  • اختيار الوقت المناسب: يجب اختيار الوقت المناسب للمزاح، بحيث يكون الناس في حاجة إلى الترويح عن أنفسهم وإدخال السرور على قلوبهم.

أهمية الفكاهة في الإسلام

للفكاهة فوائد عظيمة في حياة المسلم والمجتمع، منها:

  • تعزيز الروابط الاجتماعية: تساعد الفكاهة على تقوية العلاقات بين أفراد المجتمع وزيادة الألفة والمودة بينهم.
  • تجديد الطاقة النفسية: تساهم الفكاهة في تجديد الطاقة النفسية والقدرة على مواصلة المهام والأعمال.
  • تأليف القلوب: تساعد الفكاهة على كسب قلوب الآخرين وتسهيل التواصل معهم وبناء علاقات إيجابية.
  • جبر الخواطر: تساهم الفكاهة في جبر الخواطر وإدخال السرور على القلوب الحزينة والمكسورة.
  • تنشيط العقل: تعمل الفكاهة على تنشيط العقل وتحريك الذهن وسرعة البديهة.

المصادر والمراجع

  1. محمد كريم ،المزاح في السنة، مكة المكرمة :جامعة أم القرى، صفحة 8. بتصرّف.
  2. شحاتة صقر ،دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ، البحيرة :دار الفرقان للتراث ، صفحة 325-329، جزء 1. بتصرّف.
  3. الألباني ، في صحيح أبي داود، عن معاوية بن حيدة القشيري ، الصفحة أو الرقم:4990، حسن.
  4. سورة التوبة ، آية:65-66
  5. الألباني ، في صحيح أبي داود ، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، الصفحة أو الرقم:5004، صحيح .
  6. سورة الحجرات ، آية:11
  7. حسن أبو غدة (1427)،المزاح في الإسلام، الرياض:جامعة الملك سعود ، صفحة 41-45. بتصرّف.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

الإدارة المركزية في الجزائر: تحليل شامل

المقال التالي

السمات المميزة للهضاب وتصنيفاتها

مقالات مشابهة