الفرق بين القضاء والقدر
لطالما أثار موضوع القضاء والقدر حيرة الكثيرين، فما هو الفرق بينهما؟ وكيف نفهم هذا المفهوم؟
يشرح العديد من العلماء هذا الفرق، فبعضهم يرى أنّ القدر هو علم الله -تعالى- بما سيحدث للمخلوقات في المستقبل، بينما القضاء هو فعله -تعالى- في إيجاد تلك الأشياء حسب علمه وإرادته.
بينما يرى البعض الآخر أنّ القضاء هو علم الله -تعالى- الأزلي بالأشياء التي ستحدث، والقدر هو إيجاده لتلك الأشياء.
الماتريدية، من جهة أخرى، يعرّفون القضاء بأنه إيجاد الله -تعالى- للأشياء مع زيادة الإتقان، بينما القدر هو تحديد الله -تعالى- في الأزل لما ستكون عليه المخلوقات من صفات.
ويستدلّ البعض على هذا الرأي بأنّ القضاء يكون حادثًا، بينما القدر يكون قديماً لأنه يرجع إلى صفة العلم، بينما يرى الأشاعرة عكس ذلك، فيعكسون تعريف القضاء والقدر.
يؤكد البيهقي في كتابه أن القضاء والقدر هو تقدير الله -تعالى- للأشياء منذ القدم، وعلمه بوقوعها في أوقاتها، وعلمه بصفاتها التي حددها لها وكتبها وفق مشيئته.
أما سليمان الأشقر، في كتابه “القضاء والقدر”، فيعرّف القدر بأنه علم الله -تعالى- بوقوع الأشياء قبل حدوثها، وكتابتها، وعلم الله بوقوعها حسب ما قدّرها.
ويعرّف ابن حجر القدر بأنّه علم الله -تعالى- للأشياء قبل وجودها، ثم وقوعها بحسب ما قُدِّر لها في علمه. بينما يعرّف القضاء، حسب سليمان الأشقر، بأنه العلم السابق للأشياء التي حكم الله بها في الأزل، والقدر وقوعها بحسب ما قُدّر لها.
ويقول ابن حجر أنّ القضاء هو الحكم الكليّ الإجمالي الذي كان في الأزل، والقدر هو الجزئيات والتفصيلات، ووقوعها على سبيل التفصيل.
من جهة أخرى، يرى البعض أنّ القدر هو التقدير، بينما القضاء هو الخلق، فيكون القدر بمنزلة الأساس، والقضاء بمنزلة البناء.
وجاء عن الراغب الأصفهاني أنّ القضاء أخص من القدر، لأنّ القدر من التقدير، والقضاء هو الفصل والقطع.
ويقول الجرجاني أنّ القضاء هو وجود الموجودات مجتمعة في اللوح المحفوظ، والقدر وجودها متفرقة في الأعيان كما حُدّدت.
وذكر بعض العلماء أنّ لا فرق بينهما، فكل واحد منهما بمعنى الآخر، وهما مترادفان.
ويقول ابن تيمية -رحمه الله-: “إذا اجتمعا افترقا، أي أصبح لكل لفظٍ مدلول كما في التعريفات السابقة، وإذا افترقا اجتمعا، بحيث إذا ذُكر أحدهما فقط دخل معه مدلول الثاني. وقال أنّ الخلاف في المراد من كل واحد منهما لا يترتّب عليه أثر.”
وجوب الإيمان بالقضاء والقدر
يجب على الإنسان الإيمان بالقضاء والقدر؛ لارتباطها بالإيمان بالله -تعالى- وصفاته، و أسمائه، كصفتي العلم والقدرة. فكما قال -تعالى-:
(فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)
(يس، 83)
كما أنّ الإيمان بالقضاء والقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان، كما جاء في حديث النبي -عليه الصلاة والسلام-:
“الإيمان:(أنْ تُؤْمِنَ باللَّهِ، ومَلائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، والْيَومِ الآخِرِ، وتُؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ) ”
(رواه مسلم)
وقد بيّن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنّ هذا الحديث في الاعتقادات، وذكر ابن عمر هذا الحديث محتجًا على من أنكر القدر، وأخبر بعدم قبول أعمال من أنكر الإيمان بهما.
وجاءت الكثير من الأدلة في القرآن والسنة والإجماع التي تدلّ على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر، وكونه أحد أركان الإيمان. فمن القرآن قوله -تعالى-:
(وَكَانَ أَمْرُ اللَّـهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا)
(الأحزاب، 38)
أي قدّّر كل شيء قبل أن يخلقهم. وقوله -تعالى-:
(وَإِن مِن شَيءٍ إِلّا عِندَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلّا بِقَدَرٍ مَعلومٍ)
(الحجر، 21)
وأمّا من السنة، فما ذكرناه في الحديث السابق، وأمّا الإجماع، فقد أجمع المسلمون على وجوب الإيمان بالقضاء والقدر، ونقل الإمام النوويّ هذا الإجماع.
وجاء بعض المشركين إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- يخاصمونه في القدر، فنزلت عليهم الآية:
(إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)
(القمر، 49)
فكلّ شيءٍ خلقه الله -تعالى- إنّما كان بِحسب ما قدّره له قبل أن يخلقه، فجرى الخلق على ما قُدّر، وجرى القدر على ما عُلِم.
آثار الإيمان بالقضاء والقدر على المسلم
لإيمان المسلم بالقضاء والقدر آثار إيجابية كثيرة، من أهمّها:
- العلم بأن الله -تعالى- الخالق لكل شيء، وأن إرادته ماضية في جميع خلقه.
- الاستقامة على حال واحدة في السراء والضراء، كما قال -تعالى-:
- الإخلاص، وابتغاء وجه الله -تعالى- وحده في جميع الأعمال، والتوكّل على الله وحده الذي يعدّ جوهر العبادة.
- الخوف من الله -تعالى- مع قوّة رجائه، وإحسان الظنّ به، والرضا بما يحصل، والتواضع مهما كان معه من المال، أو القوّة، أو الجاه، لإيمانه أنّ كلّ ذلك من عند الله -تعالى-، وهو قادرٌ على انتزاعه منه.
- القناعة وعزة النفس، والبُعد عن الحسد والسخط والاعتراض.
- الإيمان بالقضاء والقدر يورث الطمأنينة والسّكينة في القلب، واستصغار كلّ شيءٍ غير الله -تعالى-، والعلم بقُدرته العظيمة، كما يُعلّم الإنسان الشكر في السراء والضراء، ويُربّيه على الصبر والاحتساب عند المصائب.
- نيْل المسلم السعادة في الدنيا والآخرة، وكسب اليقين، والهمّة العالية، والإرادة القويّة.
(إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا* إِلَّا الْمُصَلِّينَ)
(المعارج، 19-22)
مما يدفعه إلى مواجهة المصاعب والأخطار بثبات، لعلمه بأنّ كلّ شيءٍ مُقدّرٌ ومكتوب، وأنّه بيد الله -تعالى- وحده.
المراجع
- مركز قطر للتعريف بالإسلام وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، التعريف بالإسلام، صفحة 162. بتصرّف.
- محمد سعيد رمضان البوطي (1997)، كبرى اليقينيات الكونية (الطبعة الثامنة)، دمشق: دار الفكر، صفحة 160. بتصرّف.
- قحطان عبد الرحمن الدوري، العقيدة الإسلامية ومذاهبها، صفحة 416. بتصرّف.
- أبو بكر البيهقي (2006)، القضاء والقدر (الطبعة الثانية)، السعودية: مكتبة العبيكان، صفحة 58. بتصرّف.
- عمر سليمان عبد الله الأشقر (2005)، القضاء والقدر (الطبعة الثالثة عشر)، عمان – الأردن: دار النفائس للنشر والتوزيع، صفحة 21-25. بتصرّف.
- ابن تيمية، الإيمان بالقضاء والقدر، صفحة 36-38. بتصرّف.
- رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عمر بن الخطاب، الصفحة أو الرقم: 8، صحيح.
- عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الرحمن الراجحي، شرح سنن ابن ماجة، صفحة 6، جزء 5. بتصرّف.
- زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (2004)، جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم (الطبعة الثانية)، القاهرة: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، صفحة 105، جزء 1. بتصرّف.
- حسن محمد أيوب (1983)، تبسيط العقائد الإسلامية (الطبعة الخامسة)، بيروت – لبنان: دار الندوة الجديدة، صفحة 24، جزء 1. بتصرّف.
- ابن تيمية، الإيمان بالقضاء والقدر، صفحة 39-42. بتصرّف.
- أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي (2006)، القضاء والقدر (الطبعة الثانية)، السعودية: مكتبة العبيكان، صفحة 108. بتصرّف.
- عمر سليمان عبد الله الأشقر (2005)، القضاء والقدر (الطبعة الثالثة عشر)، عمان – الأردن: دار النفائس للنشر والتوزيع، صفحة 109-112. بتصرّف.
- ابن تيمية، مختصر الإيمان بالقضاء والقدر، صفحة 46-68. بتصرّف.
- مركز قطر للتعريف بالإسلام وزارة الأوقاف والشؤون الدينية – بقطر، التعريف بالإسلام، صفحة 164. بتصرّف.
- ابن تيمية، الإيمان بالقضاء والقدر، صفحة 8. بتصرّف.








