هل سمعت يومًا عن العفن الأسود؟ هذه التسمية الشائعة تشير إلى حالة طبية نادرة وخطيرة تعرف باسم داء الفطريات المخاطية (Mucormycosis). هذه العدوى الفطرية قد تبدو مخيفة، لكن فهم طبيعتها، أسبابها، وكيفية التعامل معها أمر بالغ الأهمية، خاصة للأشخاص الأكثر عرضة للإصابة.
في هذا الدليل الشامل، نغوص عميقًا في عالم العفن الأسود، ونكشف لك كل ما تحتاج معرفته بدءًا من ماهيته وأنواعه المختلفة، وصولًا إلى كيفية تشخيصه، خيارات العلاج المتاحة، وأهم سبل الوقاية.
جدول المحتويات:
- ما هو العفن الأسود (Mucormycosis)؟
- كيف تحدث الإصابة بعدوى العفن الأسود؟
- أنواع العفن الأسود وأعراض كل نوع
- تشخيص العفن الأسود
- علاج العفن الأسود
- هل يمكن الوقاية من الإصابة بالعفن الأسود؟
ما هو العفن الأسود (Mucormycosis)؟
العفن الأسود هو تسمية شائعة لعدوى فطرية نادرة لكنها خطيرة جدًا، تعرف طبيًا باسم داء الفطريات المخاطية (Mucormycosis). تسبب هذه العدوى مجموعة من الفطريات تسمى الفطريات المخاطية (Mucormycetes)، والتي تعيش بشكل طبيعي في البيئة.
تُعيق هذه الفطريات تدفق الدم إلى الأنسجة المصابة، مما يؤدي إلى موت النسيج وظهور اللون الأسود المميز. عادةً ما تصيب هذه العدوى الأشخاص الذين يعانون من ضعف في جهاز المناعة، أو الذين يتناولون أدوية تقلل من قدرة الجسم على محاربة الأمراض.
كيف تحدث الإصابة بعدوى العفن الأسود؟
قد يصاب الإنسان بالعفن الأسود بعدة طرق، أبرزها:
- ملامسة البيئة المحملة بالفطريات: تُوجد الفطريات المخاطية في التربة، أوراق الأشجار المتحللة، السماد، والخشب الفاسد. يمكن أن تؤدي ملامسة هذه الأجزاء إلى الإصابة.
- استنشاق الأبواغ الفطرية: تتطاير أبواغ الفطريات في الهواء. عند استنشاقها، يمكن أن تصل إلى الرئتين أو الجيوب الأنفية وتسبب العدوى.
- دخول الفطريات عبر الجلد: قد تدخل الفطريات إلى الجسم عبر شقوق الجلد، مثل الحروق، الجروح المفتوحة، أو مواقع العمليات الجراحية.
أنواع العفن الأسود وأعراض كل نوع
يتم تصنيف أنواع العفن الأسود بناءً على الجزء من الجسم الذي تنمو فيه الفطريات. تختلف الأعراض المصاحبة بشكل كبير بين الأنواع:
1. العفن الأسود الأنفي الدماغي
تصيب هذه العدوى الجيوب الأنفية وقد تنتشر إلى الدماغ. تُعد أكثر شيوعًا بين مرضى السكري غير المنضبط والأشخاص الذين خضعوا لعمليات زراعة الكلى. تشمل أعراضها:
- تورم في جانب واحد من الوجه.
- صداع حاد.
- احتقان الأنف مع إفرازات غير طبيعية.
- ظهور بقع سوداء على الجزء العلوي من الفم أو على طول جسر الأنف.
- حمى.
- شلل جزئي وخمول عام.
- صعوبة في التكلم.
2. العفن الأسود الرئوي
تُصيب هذه العدوى الرئتين وهي أكثر شيوعًا بين مرضى السرطان، والخاضعين لعمليات زراعة الأعضاء والخلايا الجذعية. من أعراضها:
- حمى شديدة.
- سعال مستمر.
- ألم في الصدر.
- ضيق في التنفس.
- بصق الدم.
3. العفن الأسود الجلدي
تدخل الفطريات إلى الجسم عبر شقوق الجلد، مثل تلك الناتجة عن الحروق، الجراحة، أو الجروح العميقة. يصيب هذا النوع الأشخاص الذين يعانون من ضعف في جهاز المناعة. تظهر الأعراض التالية:
- آفات جلدية مثل القروح والبثور.
- تحول المنطقة المصابة إلى اللون الأسود.
- تورم حول النسيج المصاب.
- احمرار مفرط.
- سخونة في المنطقة المتضررة.
4. العفن الأسود المعدي المعوي
هذا النوع أكثر شيوعًا بين الأطفال، وخاصة أطفال الخداج وذوي الأوزان المنخفضة عند الولادة، وكذلك من خضعوا للجراحة أو يتناولون أدوية تقلل من قدرة الجسم على محاربة مسببات الأمراض. تشمل الأعراض:
- مغص وآلام في البطن.
- استفراغ وغثيان.
- براز ممزوج بالدم أو استفراغ دموي ناتج عن نزيف في الجهاز الهضمي.
5. العفن الأسود المنتشر
يحدث هذا النوع عندما تنتشر العدوى عبر مجرى الدم وتؤثر على أجزاء مختلفة من الجسم. يكون التأثير الأكبر عادةً على الدماغ، لكنه يمكن أن يصيب أيضًا أعضاء أخرى مثل القلب، الطحال، والجلد.
يصعب تحديد الأعراض المصاحبة لهذا النوع بدقة، وقد يعاني البعض من تغيرات في الحالة العقلية أو حتى غيبوبة عند تأثر الدماغ.
تشخيص العفن الأسود
يعتمد تشخيص العفن الأسود على تقييم الطبيب للأعراض، التاريخ المرضي، والفحص البدني للمريض. إضافة إلى ذلك، قد يطلب الطبيب مجموعة من الاختبارات:
- زراعة البلغم: يتم جمع عينة من سوائل الجهاز التنفسي وزراعتها في وسط يساعد على نمو الفطريات وتحديدها.
- الخزعة: يأخذ الطبيب عينة (خزعة) من الأنسجة المصابة، خاصة الجلد، ويتم فحصها تحت المجهر للبحث عن الفطريات المخاطية.
- اختبارات الحساسية: تساعد هذه الاختبارات في تحديد نوع الفطر المخاطي بدقة.
- اختبارات التصوير: قد تشمل الأشعة المقطعية (CT scans) للرئتين، الجيوب الأنفية، أو أي جزء آخر من الجسم لتحديد مدى انتشار العدوى.
علاج العفن الأسود
تعتمد فرصة الشفاء من داء العفن الأسود بشكل كبير على التشخيص والعلاج المبكرين للحد من تطور وانتشار العدوى في الجسم. يتم علاج العفن الأسود بطريقتين أساسيتين، وأحيانًا تتطلب الحالة اتباع الطريقتين معًا:
1. الأدوية المضادة للفطريات
تُعد الخطوة الأولى في علاج العفن الأسود هي تلقي الأدوية المضادة للفطريات عن طريق الوريد. بعد تحسن الحالة الصحية، يمكن أن يصف الطبيب أدوية عن طريق الفم. من الأدوية التي يمكن إعطاؤها:
- أمفوتريسين ب (Amphotericin B): يُعطى عن طريق الوريد فقط.
- بوساكونازول (Posaconazole): يمكن إعطاؤه عن طريق الوريد أو الفم.
- وإيزافوكونازول (Isavuconazole): يمكن إعطاؤه عن طريق الوريد أو الفم.
2. الاستئصال الجراحي
في كثير من الحالات، يتطلب العلاج إزالة جميع الأنسجة المصابة بعدوى العفن الأسود جراحيًا. يهدف هذا الإجراء إلى منع انتشار العدوى إلى أجزاء أخرى سليمة من الجسم.
هل يمكن الوقاية من الإصابة بالعفن الأسود؟
عدوى العفن الأسود غير معدية ولا يمكن أن تنتشر بين الناس. ومع ذلك، من الصعب الحد تمامًا من استنشاق الجراثيم الفطرية المنتشرة في البيئة، ولا يوجد لقاح حاليًا ضد هذه العدوى.
يمكن التقليل من فرص الإصابة، خاصة للأشخاص الذين يعانون من ضعف في جهاز المناعة، بالالتزام بتدابير الوقاية الذاتية التالية:
- ارتداء القناع الواقي عند الخروج من المنزل، خاصة في المناطق المتربة.
- تضميد الجروح جيدًا والحفاظ عليها نظيفة حتى تلتئم تمامًا.
- تجنب الأماكن التي يكثر بها الغبار أو الأبواغ الفطرية.
- تجنب الأنشطة التي تتطلب ملامسة التربة، الأسمدة، أو الغبار مباشرة، مثل البستنة، دون استخدام معدات حماية.
- ارتداء القفازات عند ملامسة التربة، الأسمدة، أو الطحالب الطبيعية.
- تجنب ملامسة الصخور، المباني، والمياه الراكدة بعد الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات.
- تنظيف إصابات الجلد جيدًا بالماء والصابون وتعقيمها فورًا.
- تناول الأدوية المضادة للفطريات الموصوفة بعد عمليات زراعة الأعضاء، حسب توجيهات الطبيب.
يُعد العفن الأسود، أو داء الفطريات المخاطية، عدوى فطرية نادرة لكنها تتطلب اهتمامًا فوريًا. بينما لا يمكن تجنب التعرض لجراثيمها تمامًا، فإن فهم سبل الوقاية وتحديد الأعراض المبكرة أمر حيوي، خاصةً لمن يعانون من ضعف في جهاز المناعة.
تذكر دائمًا أن التشخيص والعلاج المبكرين يلعبان دورًا حاسمًا في مكافحة هذه العدوى بنجاح. كن واعيًا لأي تغيرات في صحتك، ولا تتردد في طلب المشورة الطبية إذا ساورتك الشكوك.








