مقدمة
تعدد الزوجات هو أمر مشروع في الإسلام، ولكن مع الالتزام بشروط وضوابط أساسية، أهمها العدل بين الزوجات. هذا العدل لا يقتصر على الأمور المادية فقط، بل يشمل أيضاً الجانب المعنوي والعاطفي، مع الأخذ في الاعتبار طبيعة المشاعر الإنسانية التي قد لا يستطيع الإنسان التحكم بها بشكل كامل. يجب على الزوج أن يحرص على توزيع حقوق الزوجية بين زوجاته بالتساوي، وفقاً لما جاء في الشريعة الإسلامية.
توزيع المسؤوليات والوقت بين الزوجات يعتبر واجباً على الزوج، وهذا ما أكدته النصوص الشرعية. قال تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً). هذه الآية تدل على أن الأصل هو العدل، وإذا خشي الرجل عدم القدرة على العدل، فعليه الاكتفاء بزوجة واحدة.
البراهين من القرآن الكريم
هناك العديد من الآيات القرآنية التي تحث على حسن المعاملة والعدل بين الزوجات:
-
المعاشرة بالمعروف: قوله تعالى: (وعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ). هذه الآية تأمر الأزواج بمعاملة زوجاتهم بالحسنى، وهذا يشمل العدل في القسمة بينهن، وإعطاء كل واحدة حقها من الاهتمام والرعاية.
-
حقوق الزوجة: قوله تعالى: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ). كما أن للزوج حقوقاً على زوجته، فإن للزوجة حقوقاً أيضاً، ومن أهم هذه الحقوق العدل في القسمة في حال تعدد الزوجات.
الدلائل من السنة النبوية
السنة النبوية الشريفة تزخر بالأحاديث التي تؤكد على أهمية العدل بين الزوجات، وتحذر من الظلم والجور:
-
التحذير من الميل: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (من كانت له امرأتان فمال لإحداهما في القسم جاء يوم القيامة وشقه مائل). هذا الحديث يدل على عظم ذنب من يميل إلى إحدى زوجاته دون الأخرى، وأن هذا الميل سيكون له عقاب شديد يوم القيامة.
هذا الحديث الشريف يبين أن عدم العدل بين الزوجات يعتبر ذنباً عظيماً يستوجب العقاب، ويؤكد على أن القسمة العادلة بين الزوجات هي واجب شرعي.
كيفية تحقيق العدل في القسمة
يجب على الزوج أن يسوي بين زوجاته في عدة أمور:
-
النفقة: يجب أن ينفق على كل زوجة بالمعروف، وأن يوفر لها ما تحتاج إليه من طعام ولباس ومسكن، مع مراعاة اختلاف حاجاتهن وظروفهن.
-
المبيت: يجب أن يبيت عند كل زوجة في ليلتها، وأن يعطيها حقها من الوقت والاهتمام. وقد ورد عن أنس بن مالك قال: (كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- تسع نسوة، فكان إذا قسم بينهن لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسع).
أما بالنسبة للمحبة وميل القلب، فإن الإنسان لا يملك التحكم فيه، ولذلك فإن الشريعة لا تحاسب على ذلك. فعن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- كان عادلاً بين نسائه، وكان يقول: (اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك).
ولكن يجب على الزوج أن يجاهد نفسه في عدم إظهار الميل لإحدى الزوجات على حساب الأخرى، وأن يسعى جاهداً لتحقيق العدل الظاهر بينهن.
قال تعالى: (وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ). هذه الآية تؤكد على صعوبة تحقيق العدل الكامل بين الزوجات، ولكنها تحذر من الميل الشديد الذي يؤدي إلى ظلم إحداهن.
قضايا متعلقة بالقسمة
هناك بعض المسائل المتعلقة بالقسمة بين الزوجات التي تحتاج إلى توضيح:
-
التنازل عن الحق في القسم: يجوز للزوجة أن تتنازل عن حقها في المبيت لزوجة أخرى، وإذا تراجعت عن تنازلها، عاد لها حقها كاملاً.
-
القسم في السفر: إذا سافر الزوج، فله أن يختار إحدى زوجاته لترافقه في السفر، ويستحب أن يجري قرعة بينهن.
-
السكن: لا يجوز للزوج أن يسكن زوجاته في بيت واحد إلا إذا رضين بذلك.
-
عدد أيام المبيت: يمكن للزوج أن يخصص لكل زوجة أكثر من ليلة، بشرط أن يساوي بينهن في عدد الليالي.
