الصور البلاغية في القرآن الكريم

دراسة لأنواع المجاز في القرآن الكريم: المجاز العقلي، المجاز اللغوي (المرسل والاستعارة). أمثلة وشواهد قرآنية.

إسناد غير حقيقي في القرآن

يعتبر المجاز العقلي نوعًا من أنواع البلاغة، حيث يتم فيه نسبة الفعل أو ما في معناه (مثل اسم الفاعل، المفعول، المصدر) إلى غير صاحبه الأصلي. ببساطة، هو إسناد الفعل إلى شيء ليس هو الفاعل الحقيقي له.

أمثلة من القرآن الكريم:

قوله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ}. [غافر: 36]

في هذه الآية، الإسناد (ابنِ) موجه إلى هامان، ولكن في الواقع، هامان لم يبنِ الصرح بنفسه، بل قام العمال بذلك بأمره. إذن، الإسناد هنا مجازي لأن هامان كان سببًا في البناء، وليس هو الفاعل المباشر.

مثال آخر: {فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ}. [الحاقة: 21]

كلمة “راضية” هنا مسندة إلى “عيشة”. العيشة لا تشعر بالرضا، وإنما الإنسان الذي يعيشها هو الذي يشعر بالرضا. بالتالي، الإسناد هنا مجازي، والأصل أن تكون الكلمة “مرضية”، أي أن العيشة مرضية للإنسان الذي يعيشها.

أنواع التصوير البلاغي اللغوي في القرآن

ينقسم المجاز اللغوي إلى قسمين رئيسيين، وهما:

التعبير غير المباشر في القرآن

المجاز المرسل هو استخدام الكلمة في غير معناها الحقيقي لعلاقة غير المشابهة بين المعنى الأصلي والمعنى المراد. العلاقة هنا قد تكون السببية، المسببية، الجزئية، الكلية، أو غيرها.

أمثلة من القرآن الكريم:

قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]

المجاز هنا في كلمة “الشهر”، فالمسلمون يصومون عند رؤية الهلال وليس عند دخول الشهر الفعلي. الهلال هو سبب الدخول في شهر رمضان، فالعلاقة هنا سببية.

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]

المجاز في كلمة “نارًا”، فالنار هي نتيجة أكل مال اليتيم. ذكرت النتيجة (النار) والمراد السبب (أكل مال اليتيم)، فالعلاقة هنا مسببية.

قوله تعالى: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [القصص: 13]

المجاز في كلمة “عينها”، فالذي يقر ويهدأ هو النفس والجسم كله، ولكن ذكر الجزء (العين) ليدل على الكل، فالعلاقة هنا جزئية.

قوله تعالى: {وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران: 167]

المجاز في كلمة “أفواههم”، فالشخص يتكلم بلسانه فقط وليس بفمه كله، فذكر الكل وأراد الجزء، فالعلاقة هنا كلية.

قوله تعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2]

المجاز في كلمة “اليتامى”، فاليتامى لا يعطون أموالهم إلا بعد بلوغهم سن الرشد، فالمقصود إعطائهم المال بعد أن كانوا يتامى، فالعلاقة هنا اعتبار ما كان.

قوله تعالى: {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح: 27]

المجاز في كلمتي “فاجراً كفاراً”، فالطفل لا يولد فاجراً ولا كافراً، فالعلاقة هنا اعتبار ما سيكون.

قوله تعالى: {فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ} [العلق: 17]

المجاز في كلمة “ناديه”، وهو مكان الاجتماع، ولكن المقصود الأشخاص الموجودون في هذا المكان، فالعلاقة هنا المحلية.

قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 107]

المجاز في كلمة “رحمة”، فالرحمة ليست مكاناً، ولكن المقصود أنهم في الجنة، فالعلاقة هنا الحالية.

قوله تعالى: {وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} [الشعراء: 84]

المجاز في كلمة “لسان”، فالمقصود الأثر الطيب الذي يتركه اللسان، فالعلاقة هنا الآلية.

التشبيه البليغ في القرآن

الاستعارة هي نوع من المجاز يتم فيه استخدام الكلمة في غير معناها الحقيقي لوجود علاقة مشابهة بين المعنى الأصلي والمعنى المراد. تنقسم الاستعارة إلى أنواع مختلفة، منها الاستعارة المكنية والاستعارة التصريحية.

مثال على الاستعارة المكنية:

قوله تعالى: {وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ} [التكوير: 18]

الاستعارة هنا في كلمة “تَنَفَّسَ”، حيث شُبّه الصبح بالكائن الحي الذي يتنفس. تم ذكر المشبه (الصبح) وحذف المشبه به (الكائن الحي)، وترك ما يدل عليه وهو التنفس. لذا، فالاستعارة هنا مكنية.

مثال على الاستعارة التصريحية:

قوله تعالى: {الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1]

الاستعارة في كلمتي “الظلمات” و”النور”، حيث شُبّه الكفر بالظلمات والإيمان بالنور. تم حذف المشبه (الكفر والإيمان) والتصريح بالمشبه به (الظلمات والنور). لذا، فالاستعارة هنا تصريحية.

المصادر والمراجع

  • محمد التونجي، المعجم المفصل في الأدب، (تم تعديله).
  • عبدالعزيز عتيق، علم البيان، (تم تعديله).
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

جماليات اللغة: نظرة على الأساليب البلاغية في الشعر

المقال التالي

طرق إظهار المحبة بدون كلام

مقالات مشابهة

تبيين الفوارق بين التطلعات، المهمة، والغايات

استكشاف مفهوم التطلعات المؤسسية. تعريف مهمة المنظمة. توضيح الاختلافات بين التطلعات والمهمة. دليل لكتابة التطلعات والمهمة. صياغة الأهداف بفعالية. مصادر ومراجع.
إقرأ المزيد