إشارات السفن في القرآن
ورد ذكر السفن في القرآن الكريم في مواضع عديدة، وذلك للدلالة على قدرة الله وعظيم صنعه، وأهمية البحر في حياة الإنسان. من هذه الإشارات قول الله -عز وجل-:
“(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)”[البقرة: 164].
في هذه الآية، يشير لفظ السفن إلى تلك التي تسخر لخدمة البشر، سواء في التجارة أو نقل البضائع والأفراد عبر البحار. هذه الآية دعوة للتفكر في عظمة الخالق وقدرته، وكيف سخر لنا البحر لنستفيد منه.
كما استدل العلماء بهذه الآية على جواز ركوب البحر لأغراض متنوعة، سواء كانت للجهاد أو للتجارة أو لأي منفعة أخرى مشروعة، وذلك لأن الآية لم تخصّص نوعًا معينًا من المنافع.
ورد ذكر السفن أيضًا في قوله تعالى:
“(رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً)”[الإسراء: 66].
يشير قوله “لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ” إلى السعي وراء الرزق والتجارة، مما يؤكد على أهمية البحر في توفير سبل العيش. ركوب البحر يعتبر وسيلة ضرورية لتحقيق مصالح الناس وتبادل المنافع، حيث أن توزيع السكان واختلاف احتياجاتهم يستلزم وجود وسائل نقل تسهل عليهم الوصول إلى مقاصدهم.
تصوير السفن في القرآن الكريم
يعرض القرآن الكريم صورة حية لكيفية سير السفن على سطح الماء، مبيناً كيف أن الله -سبحانه وتعالى- جعلها تطفو بقدرته، وكأن البحر يحملها، وذلك تيسيراً على الناس وخدمة لمصالحهم. من الآيات التي تصف هذا المشهد قوله -تعالى-:
“(فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا)”[الذاريات: 3].
يشير المفسرون إلى أن “الْجَارِيَاتِ” هي السفن التي تسير في البحر بسهولة ويسر. وقد ورد لفظ “الجري” للإشارة إلى السفن في مواضع أخرى من القرآن الكريم، مثل قوله -تعالى-:
“(وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ)”[الشورى: 32].
وكذلك في قوله -تعالى-:
“(إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ)”[الحاقة: 11].
والمقصود هنا هو سفينة نوح -عليه السلام-.
من بنى السفينة أولا
يعتبر النبي نوح -عليه السلام- هو أول من صنع السفن، وذلك بأمر من الله -عز وجل-. قال الله -تعالى-:
“(وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ)”[هود: 38].
استهزأ قوم نوح به لأنه تحول من نبي يدعوهم إلى الله إلى نجار يصنع سفينة لم تكن معروفة لديهم.
هذه الصناعة كانت بوحي من الله -تعالى-، حيث علمه كيفية بنائها والشروط التي تضمن لها الطفو. قال الله -سبحانه وتعالى-:
“(وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ)”[هود: 37].
الخشب كان المادة الأفضل لصناعة السفن لأنه أخف من الماء. يجب نشر الخشب على شكل ألواح لزيادة السطح وبالتالي زيادة قوة الطفو، وهو ما يعرف بـ “دافعة أرخميدس”. يتم تثبيت الألواح بالمسامير وطلائها بمادة عازلة لمنع تسرب الماء، مما يجعلها قادرة على الطفو في البحر وعدم الغرق. قال -تعالى-:
“(وَحَمَلْنَاهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ)”[القمر: 13].
و”الدسر” هي المسامير التي تثبت بها ألواح الخشب.
المراجع
- القرآن الكريم
- تفسير الطبري
- تفسير القرطبي
