الزواج المدني: نظرة فقهية واجتماعية

مقدمة

الزواج هو سنة الحياة وأساس بناء المجتمعات. تتنوع أشكال الزواج حول العالم، ويبرز الزواج المدني كأحد هذه الأشكال الذي يثير جدلاً واسعاً. يهدف هذا المقال إلى تقديم نظرة شاملة حول الزواج المدني، بدءاً من تعريفه، مروراً بأصوله التاريخية، وصولاً إلى الأحكام الشرعية المتعلقة به.

الرأي الشرعي في الزواج المدني

ينظر الفقه الإسلامي إلى الزواج المدني بتحفظ شديد، ولا يجيزه بالصورة التي يتم بها في بعض الدول الغربية. تتلخص الأحكام المتعلقة به في النقاط التالية:

  • اشتراط الدين: الزواج المدني لا يشترط الدين، وهذا يخالف الشريعة الإسلامية في بعض جوانبه. حيث ينقسم إلى قسمين:
    • تحريم زواج الكافر بالمسلمة أو الكتابية: وهذا أمر متفق عليه بين جميع الفقهاء.
    • جواز زواج المسلم بالكتابية: وهذا جائز شرعاً إذا استوفى كافة شروط الزواج في الإسلام، مثل وجود الولي والشهود، مصداقاً لقوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ). [المائدة: 5]
  • اشتراط الشهود والإعلان: يعتبر الزواج المدني باطلاً في الشريعة الإسلامية لعدم اشتراطه وجود الشهود والإعلان. فالشهود ركن أساسي من أركان الزواج الشرعي.
  • عدم اعتبار الولي والمهر: لا يعتد القانون المدني بالولي والمهر، وهذا ما يجعل هذا الزواج غير صحيح شرعاً، بالإضافة إلى صيغة العقد التي غالباً ما تكون مبنية على الاستفهام.

بناءً على ما سبق، يمكن القول بأن الزواج المدني لا يصح شرعاً لعدة أسباب، منها عدم اشتراط الدين والشهود، وعدم اعتبار الولي والمهر.

تعريف الزواج المدني

تتعدد التعريفات المقدمة للزواج المدني، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  • التعريف الأول: هو رابطة زوجية بين رجل وامرأة تقوم على أساس المصالح المادية المشتركة، دون النظر إلى الدين. بمعنى آخر، هو مشاركة في المعونة ومتطلبات الحياة بهدف استمرار النسل وتخفيف الأعباء المادية على الطرفين.
  • التعريف الثاني: هو عقد بين رجل وامرأة يهدف إلى التعاون المادي وتبادل المصالح من أجل استمرار الحياة الزوجية بشكل عام، ولا يقتصر على الإنجاب فقط.

يتسم الزواج المدني بتوثيقه في المحاكم المدنية، حيث تتولى الدولة الإشراف عليه والفصل في المنازعات التي قد تنشأ بين الزوجين، دون الرجوع إلى الدين أو الاعتبارات الدينية. ينتشر هذا النوع من الزواج بشكل خاص في الدول الغربية، مثل فرنسا.

الجذور التاريخية للزواج المدني

يعود ظهور الزواج المدني إلى التطورات التي شهدتها أوروبا في العصور الحديثة، وتحديداً في فرنسا. بدأت السلطة الكنسية بالتراجع تدريجياً، وانتقلت صلاحيات الزواج إلى السلطة المدنية. وقد تم تطبيق قانون الزواج المدني لأول مرة في عام 1804م بتشجيع من نابليون بونابرت، ثم انتشر في بقية الدول الأوروبية وأمريكا.

يرتكز الزواج المدني على توثيق العقد في المحكمة بحضور شاهدين، مع الحصول على وثيقة رسمية تضمن حقوق الطرفين في حالة الطلاق أو الانفصال. لا يعترف القانون المدني بالمهر، لأنه يعتبره شكلاً من أشكال بيع المرأة.

كيفية الزواج المدني

يقوم الزواج المدني على اتفاق الطرفين على المساواة الكاملة بينهما من الناحية المادية والمعنوية. يتم العقد وفقاً للشروط التي يتفق عليها الطرفان، ولا توجد للزوج سلطة القوامة أو الطاعة المطلقة. كما لا يوجد مهر للمرأة.

يسود الاحترام المتبادل الحياة الزوجية في الزواج المدني. لا يمتلك الزوج حق العصمة في الطلاق، ولا يحق له الزواج بأكثر من امرأة. تحدد النفقة والسكن وفقاً لاتفاق الطرفين.

المصادر

  • بدر ناصر مشرع السبيعي، المسائل الفقهية المستجدة في النكاح مع بيان ما أخذ به القانون الكويتي، صفحة 216-223.
  • سورة المائدة، آية: 5
  • أبتعبدالفتاح كبارة، الزواج المدني، صفحة 83-85.
  • أبتثعبدالله الطيار، الفقه الميسر، صفحة 36-37.
Exit mobile version