مقدمة حول البلاغة في سورة البقرة
تتميز سورة البقرة بأسلوبها البلاغي الرفيع، حيث تتجلى فيها صور بديعية متنوعة تزيد من جمال النص القرآني وتأثيره في النفوس. هذه الصور البلاغية، سواء كانت لفظية أو معنوية، تتضمن أساليب مثل السجع والجناس والطباق والمقابلة، وغيرها من الأساليب التي تضفي على النص رونقًا خاصًا. سنستعرض في هذا المقال نماذج من هذه الزخارف البديعية في الآيات الأخيرة من سورة البقرة، مع التركيز على الجوانب اللغوية والبلاغية التي تجعل هذه الآيات مثالًا للإعجاز القرآني.
الزخارف البلاغية في الآية (284)
يقول الله تعالى في الآية 284 من سورة البقرة:
“لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ”.
تتضمن هذه الآية الكريمة عدة محسنات بديعية منها:
-
الطباق: يتجلى الطباق في عدة مواضع من الآية:
- بين كلمتي (السماوات) و (الأرض)، وهو طباق إيجاب يوضح شمول ملك الله لكل شيء.
- بين كلمتي (تبدوا) و (تخفوه)، وهو طباق إيجاب يبرز علم الله بالظاهر والباطن.
- بين كلمتي (يغفر) و (يعذب)، وهو طباق إيجاب يؤكد على عدل الله ورحمته.
- الجناس: يوجد جناس ناقص في كلمتي (يشاء) و (شيء)، حيث اختلف اللفظان في ترتيب بعض الحروف، مما يعطي جرساً موسيقياً لطيفاً.
- رد العجز على الصدر (التصدير): يظهر في قوله تعالى (فيغفر لمن يشاء) و (يعذب من يشاء)، حيث تكرر لفظ المشيئة في نهاية الشطرين، مما يؤكد على قدرة الله المطلقة.
الزخارف البلاغية في الآية (285)
يقول الله تعالى في الآية 285 من سورة البقرة:
“ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ”.
تتضمن هذه الآية الكريمة عدة محسنات بديعية منها:
- جناس الاشتقاق: يظهر في كلمتي (آمن) و (المؤمنون)، حيث اشتقتا من أصل لغوي واحد، مما يعزز الترابط بينهما ويؤكد على وحدة الإيمان.
- الإطناب: يظهر في قوله تعالى (لا نفرق بين أحد من رسله)، حيث جاءت هذه العبارة لتأكيد الإيمان بجميع الرسل والتصديق بهم.
- الإيجاز بالحذف: يتجلى في قوله (والمؤمنون)، حيث حذف الفعل (آمنوا)، للايجاز والاختصار مع بقاء المعنى واضحًا.
- السجع المتوازي: يظهر بين كلمة (قدير) في الآية السابقة وكلمة (المصير) في هذه الآية، حيث تتفق الكلمتان في الوزن والحرف الأخير، مما يعطي جرساً موسيقياً جميلاً.
- رد العجز على الصدر (التصدير): يظهر في قوله تعالى (كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله) وقوله تعالى: (لا نفرق بين أحد من رسله)، حيث يشير الشطر الأول إلى الإيمان بجميع أركان الإيمان ، والشطر الثاني يؤكد على عدم التفرقة بين الرسل.
الزخارف البلاغية في الآية (286)
يقول الله تعالى في الآية 286 من سورة البقرة:
“لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ”.
تتضمن هذه الآية الكريمة عدة محسنات بديعية منها:
- الطباق: يتجلى في كلمتي (لها) و (عليها)، و(كسبت) و (اكتسبت)، وهو طباق إيجاب يوضح العلاقة بين الأفعال ونتائجها.
- المقابلة: تظهر في قوله تعالى (لها ما كسبت) و (عليها ما اكتسبت)، حيث أن الفعل الأول (كسبت) يدل على الخير، والفعل الثاني (اكتسبت) يدل على الشر، مما يعطي مقابلة واضحة بين الأفعال ونتائجها.
- جناس الاشتقاق: يظهر في كلمتي (كسبت) و (اكتسبت)، حيث اشتقتا من أصل لغوي واحد، مما يعزز الترابط بينهما.
- الجناس الناقص: يظهر في كلمتي (تحمل) و (حملته)، حيث اختلف اللفظان في ترتيب بعض الحروف، مما يعطي جرساً موسيقياً لطيفاً.
- السجع: يظهر في كلمتي (نسينا) و (أخطأنا)، و(وارحمنا) و (فانصرنا).
- الطباق: يظهر في كلمتي (عنا) و (لنا).
- الجناس الناقص: يظهر في كلمتي (عنا) و (لنا)، حيث اختلف اللفظان في الحرف الأول.
- السجع: يظهر في قوله تعالى: (لها ما كسبت) و (عليها ما اكتسبت).
خلاصة القول
إن هذه الزخارف البديعية المتنوعة في أواخر سورة البقرة، سواء كانت لفظية أو معنوية، تدل دلالة قاطعة على إعجاز القرآن الكريم وبلاغته الفائقة، وأن هذا القرآن هو كلام الله المعجز، وليس من كلام البشر. هذا التفرد والجمال البلاغي يعكس عظمة الله وقدرته، ويؤكد على أن القرآن الكريم هو معجزة خالدة.
