الرائحة الطيبة في الشريعة الإسلامية: نظرة فقهية

مقدمة

الشريعة الإسلامية تحرص أشد الحرص على بناء مجتمع سليم ونقي، مجتمع يسوده العفاف والطهارة. لم يأتِ الإسلام ليقمع الرغبات والشهوات، بل جاء لتهذيبها وتنظيمها، ووضع لها قواعد تضبط كيفية التعامل معها. وحتى نصل إلى هذا المجتمع المثالي، وُضعت العديد من الأحكام والضوابط التي تعمل بمثابة إشارات تنبيه وتذكير للإنسان المسلم بأنه في كنف الله ورعايته.

الحكم الشرعي لاستعمال الروائح العطرية

الحكم الشرعي لاستخدام الروائح العطرية يتوقف على مكوناتها. يمكن تقسيم الروائح العطرية إلى نوعين رئيسيين:

  • النوع الأول: الروائح العطرية التي لا تحتوي على نسبة من الكحول. هذا النوع جائز الاستخدام للرجال والنساء على حد سواء، مع الأخذ في الاعتبار الضوابط الشرعية الخاصة بالنساء عند الخروج من المنزل.
  • النوع الثاني: الروائح العطرية التي تحتوي على نسبة من الكحول. وقد اختلف العلماء في حكم استعمالها. فقد صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قوله: “الخمر ما خامر العقل”. وبالتالي، فإن كل مادة سائلة تذهب العقل تعتبر خمراً ويحرم استعمالها، حتى لو لم تكن للشرب، وذلك عند جمهور العلماء.

وبناءً على ذلك، فإن استعمال الكحول في الروائح العطرية التي تسكر ممنوع شرعاً لأنه خمر، والخمر نجسة عند غالبية أهل العلم. أما إذا تحول الكحول أثناء تصنيع العطر إلى مادة أخرى، بحيث زال عنه وصف الخمر، فيجوز استعماله. وإذا افترضنا وجود نوع من الكحول ليس ناتجاً عن تخمير العصير، فإن استعماله جائز إذا لم يكن خمراً، لأن الأصل في الأشياء الإباحة.

ضوابط استعمال المرأة للروائح العطرية

يجوز للمرأة استخدام الروائح العطرية في بيتها وبين محارمها، بل ويستحب لها ذلك لزوجها. أما عند خروجها من بيتها، فقد نهيت عن التعطر بروائح فواحة تلفت الانتباه، وذلك لعموم الأدلة الشرعية التي تدل على ذلك، ومنها:

قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إذا استعطرتِ المرأةُ فمرَّت على القومِ لِيجِدوا ريحَها فهي زانيةٌ).

وعن أبي هُرَيْرةَ أنَّهُ لقيَ امرأةً تعصفُ ريحُها؛ فقالَ: “يا أمةَ الجبَّارِ، تريدينَ المسجدَ؟ قالت: نعَم. قالَ: ولَهُ تطيَّبتِ؟ قالت: نعَم. قالَ: فارجعي فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ- يقولُ: (ما منِ امرأةٍ تخرجُ إلى المسجدِ فتعصِفُ ريحُها؛ فيقبلُ اللَّهُ منها صلاةً حتَّى ترجعَ فتغتسلَ)”.

وعن زينب الثقفية قالت: إن -رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: (إذا شَهِدَتْ إحْداكُنَّ المَسْجِدَ فلا تَمَسَّ طِيبًا).

والحكمة من تحريم استعمال الروائح العطرية للمرأة خارج المنزل هو الخوف من فتنة الرجال بها. فالمرأة بطبيعتها محبوبة ومرغوبة، فإذا زادت من زينتها وجمالها وتطيبت، أصبحت عرضة لافتتان الآخرين بها. والمرأة المسلمة تمتثل لأوامر الله وتتعبده بذلك، لأنه -عز وجل- يعلم ما هو الأصلح للناس في دينهم ودنياهم.

المفهوم اللغوي والاصطلاحي للروائح العطرية

في اللغة العربية، تحمل كلمة عِطْر معاني متعددة، منها:

  • الطِّيب، وكلُّ ما يُتَطيَّب به لِحُسْنِ رائحته.
  • مُسْتَحْضَر ذو رائحة ذكيَّة فوَّاحة يُتَطيَّب به.

أما في الاصطلاح، فالعطر هو كل ما يضعه الشخص من الطيب والمسك والعنبر وغيره من المستحضرات الطبيعية أو الصناعية ذات الرائحة الزكية والعذبة. وهو اسم جامع لكل رائحة جميلة نفاذة، وهو الريح الطيبة المحملة بما يحبه الإنسان وتشتهيه النفس من الروائح الندية.

المراجع

  1. ابن عبد البر، الاستذكار، عن عبدالله بن عمر، الصفحة أو الرقم:7/24، صحيح.
  2. مجموعة من المؤلفين ،فتاوى الشبكة الإسلامية، صفحة 1062. بتصرّف.
  3. محمد صالح المنجد ،موقع الإسلام سؤال وجواب، صفحة 7377. بتصرّف.
  4. الألباني، صحيح الجامع، عن أبو موسى الأشعري، الصفحة أو الرقم:323، صحيح .
  5. الذهبي، المهذب، عن أبو هريرة، الصفحة أو الرقم:2/106، إسناده صالح.
  6. مسلم، صحيح مسلم، عن زينب امرأة عبدالله بن مسعود، الصفحة أو الرقم:433، صحيح.
  7. أبأحمد مختار عمر ،معجم اللغة العربية المعاصرة، صفحة 1514. بتصرّف.
Exit mobile version