الرأي الشرعي في ممارسة ألعاب الورق

استعراض الأحكام الفقهية المتعلقة بألعاب الورق في الإسلام، بما في ذلك اللعب بعوض مالي وحكم الرسوم على أوراق اللعب.

مقدمة

ألعاب الورق، المعروفة أيضاً بـ”الشدة”، انتشرت منذ فترة طويلة، وتحديدًا منذ العصر العثماني. يهدف هذا المقال إلى تقديم رؤية شاملة حول الرأي الشرعي في ممارسة هذه الألعاب.
تباينت آراء العلماء حول هذه الألعاب، فمنهم من حرمها بشكل قاطع، ومنهم من وضع شروطًا وضوابط لجوازها. يعتمد التحريم في الغالب على ما قد يترتب على هذه الألعاب من آثار سلبية مثل تضييع الوقت، أو إحداث الشقاق والعداوة، أو الإلهاء عن ذكر الله، أو الوقوع في الميسر المحرم.

نظرة عامة حول حكم لعب الورق في الشريعة

تعددت وجهات النظر الفقهية حول حكم لعب الورق، ويمكن تلخيصها في الرأيين التاليين:

الرأي الأول: التحريم المطلق

يرى أصحاب هذا الرأي حرمة لعب الورق قياساً على النرد، مستندين إلى ما ورد في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:
“مَن لَعِبَ بالنَّرْدَشِيرِ، فَكَأنَّما صَبَغَ يَدَهُ في لَحْمِ خِنْزِيرٍ ودَمِهِ”.

وقد استند الإمام ابن حجر الهيتمي الشافعي إلى هذا القياس في كتابه “كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع”، حيث ذكر أن لعب الورق (الذي كان يُعرف بالكنفجة) مُحرّم قياساً على النرد. كما نقل عن الأذرعي رأياً مماثلاً، مشيراً إلى أن هذه الأوراق المزخرفة التي يلعب بها الناس، إذا كانت بعوض فهي قمار، وإلا فهي كالنرد.

وأصدرت دار الإفتاء الأردنية فتوى بحرمة هذه اللعبة، معللة ذلك بأنها تعتمد على الحظ والتخمين بشكل كبير، كما هو الحال في النرد.

الرأي الثاني: التفصيل في الحكم

يرى أصحاب هذا الرأي أن الأصل في لعب الورق الإباحة، ولكنهم يحرمونه إذا ترتب عليه محظور شرعي. وقد جاء ذلك في كتاب الدرر البهية من الفتاوى الكويتية، حيث أجابت اللجنة على سؤال حول هذه المسألة بما يلي:
“إنْ كان هناك شدّة، وكان هذا لا يلهي اللاعبين عن أداء واجب ديني أو دنيوي فهو جائز، فإن كان على مال من أحد اللاعبين، أو ألهى عن واجب ديني أو دنيوي، أو كان سبباً لإيقاع العداوة والبغضاء بين اللاعبين؛ فهو حرام، وما لم تشتمل هذه الأوراق على صور مثيرة، والله أعلم”.

حكم المراهنة المالية في ألعاب الورق

يتفق العلماء على حرمة لعب الورق على عوض مالي، وذلك استناداً إلى دليل قطعي وهو قول الله تعالى:
“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”.

وقد فسر ابن عباس وابن عمر “الميسر” بأنه القمار. وذكر ذلك في تفسير ابن كثير رحمه الله. فاللعب على مال يعتبر صورة من صور القمار المحرمة.

ويعرف صاحب الكليات القمار بأنه: “كل لعب يشْتَرط فِيهِ غَالِبا أَن يَأْخُذ الْغَالِب شَيْئا من المغلوب فَهُوَ قمار فِي عرف زَمَاننَا”.

وبناء على ذلك، فإن الميسر المذكور في الآية الكريمة يشمل اللعب على مال، وهو نوع من أنواع القمار المحرم.

النظر الفقهي في الرسوم التصويرية على أوراق اللعب

اختلف العلماء في حكم الرسوم التصويرية لذوات الأرواح الموجودة على أوراق اللعب على رأيين:

الرأي الأول: التحريم

يرى أصحاب هذا الرأي حرمة هذه الرسوم استناداً إلى أصل تحريم التصوير عند جمهور العلماء. ويعتبرون أن هذه الصور والنقوشات الموجودة على أوراق اللعب تدخل في باب التحريم. ومن المعاصرين الذين تبنوا هذا الرأي الشيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله.

الرأي الثاني: الجواز

يرى أصحاب هذا الرأي جواز هذه الرسوم، وقد اختار هذا الرأي عدد من أهل العلم.

المصادر والمراجع

  • صحيح مسلم، للإمام مسلم.
  • كف الرعاع عن محرمات اللهو والسماع، لابن حجر الهيتمي.
  • فتاوى دار الإفتاء الأردنية.
  • الدرر البهية من الفتاوى الكويتية.
  • تفسير ابن كثير.
  • الكليات، لأبي البقاء الكفوي.
  • جامع تراث العلامة الألباني في الفقه.
  • فتاوى دار الإفتاء المصرية.
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

دروس وعبر من حكيم اليونان: سقراط

المقال التالي

الرأي الشرعي في لعبة النرد

مقالات مشابهة

أحكام حضور رؤية ذبح الأضحية

استكشاف أحكام الشريعة الإسلامية المتعلقة بحضور ومشاهدة ذبح الأضحية. نظرة تفصيلية على حكم الحضور في حالات الذبح من قبل الغير أو بالتوكيل، بالإضافة إلى استعراض الحكمة من استحباب الحضور.
إقرأ المزيد