فهرس المحتويات
مقدمة حول دراسة الذاكرة
تعتبر الذاكرة جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية، فهي تلعب دورًا حيويًا في تعلم المهارات، وتكوين العلاقات، وفهم العالم من حولنا. يولي علم النفس اهتمامًا خاصًا بدراسة الذاكرة، خاصةً في فرع يُعرف بعلم النفس المعرفي. يهدف هذا الفرع إلى فهم العمليات العقلية المختلفة، مثل الإدراك، والتفكير، والتذكر، وكيفية معالجة المعلومات وتخزينها واسترجاعها. علم النفس المعرفي لا يقتصر فقط على دراسة الذاكرة، بل يمتد ليشمل دراسة عمليات الفهم والاستيعاب والتعلم المختلفة، وكيفية تأثير هذه العمليات على سلوك الإنسان وتفاعله مع البيئة المحيطة.
ما هو تعريف الذاكرة؟
يمكن تعريف الذاكرة بأنها القدرة على تخزين المعلومات واسترجاعها عند الحاجة. يختلف تعريف الذاكرة باختلاف المجال العلمي الذي تُدرس فيه. ففي علم وظائف الأعضاء وعلم الأعصاب، تُعرّف الذاكرة بأنها القدرة على استقبال المعلومات الحسية والخبرات، وتخزينها والمحافظة عليها لاسترجاعها لاحقًا. أما في علم النفس، فتُعرّف الذاكرة بأنها العملية المعرفية التي تسمح لنا بتكييف سلوكياتنا بناءً على خبراتنا السابقة. بعبارة أخرى، الذاكرة هي نظام معقد يتضمن استقبال المعلومات، ترميزها، تخزينها، ثم استرجاعها عند الحاجة.
الذاكرة أوسع من مجرد التذكر. التذكر هو مجرد جزء من العمليات التي تقوم بها الذاكرة، والتي تشمل أيضًا التعرف على الأشياء والأشخاص، واستخدام المعرفة المخزنة في اتخاذ القرارات وحل المشكلات.
الأجزاء المكونة للذاكرة البشرية
أظهرت الدراسات والأبحاث في علم النفس وعلم الأعصاب أن الذاكرة ليست وحدة واحدة، بل تتكون من عدة أنظمة فرعية تعمل معًا لتمكيننا من تذكر المعلومات والخبرات. وقد توصل العلماء إلى هذا الاستنتاج من خلال دراسة المرضى الذين يعانون من تلف في الدماغ، حيث تبين أن بعضهم قادر على أداء بعض المهام المتعلقة بنوع معين من الذاكرة، بينما يواجهون صعوبة في أداء مهام أخرى متعلقة بنوع آخر. وقد ساهمت هذه الملاحظات في تطوير نماذج مختلفة لتصنيف الذاكرة، بناءً على عوامل مختلفة مثل المدة الزمنية التي يتم فيها تخزين المعلومات، أو نوع المعلومات المخزنة.
في نهاية الستينيات، ظهر نموذج نهائي يقسم الذاكرة إلى ثلاثة مكونات رئيسية بناءً على المدة الزمنية التي تحتفظ فيها المعلومة، وهي: الذاكرة الحسية، والذاكرة قصيرة المدى، والذاكرة طويلة المدى.
الذاكرة الحسية: البوابة الأولى
الذاكرة الحسية هي أول محطة في عملية معالجة المعلومات. تستقبل هذه الذاكرة كمًا هائلاً من المعلومات الحسية من البيئة المحيطة من خلال الحواس الخمس: البصر، والسمع، والشم، والتذوق، واللمس. كل حاسة لها مستقبلات حسية خاصة بها تستقبل المعلومات وترسلها إلى الدماغ. على سبيل المثال، تستقبل المستقبلات البصرية المعلومات البصرية على شكل صور، بينما تستقبل المستقبلات السمعية المعلومات السمعية على شكل أصداء.
وظيفة الذاكرة الحسية هي الاحتفاظ بصورة دقيقة للعالم الخارجي لفترة قصيرة جدًا، عادةً ما تكون أقل من ثانية. تسمح هذه الفترة القصيرة للدماغ بمعالجة المعلومات الحسية وتحديد ما إذا كانت تستحق الانتباه والنقل إلى الذاكرة قصيرة المدى.
الذاكرة قصيرة الأمد: تخزين مؤقت
الذاكرة قصيرة المدى، وتُعرف أيضًا بالذاكرة العاملة، هي نظام تخزين مؤقت يحتفظ بالمعلومات لفترة قصيرة، تتراوح عادةً بين 15 و 30 ثانية. تعمل الذاكرة قصيرة المدى كمحطة وسيطة بين الذاكرة الحسية والذاكرة طويلة المدى. تحتفظ الذاكرة قصيرة المدى بالمعلومات التي يتم الانتباه إليها في الذاكرة الحسية، وتعمل على معالجتها وتعديلها بشكل أولي.
تعتبر الذاكرة قصيرة المدى ذات سعة محدودة، حيث يمكنها الاحتفاظ بحوالي 7 عناصر معلوماتية في وقت واحد (زائد أو ناقص 2). ومع ذلك، يمكن زيادة سعة الذاكرة قصيرة المدى عن طريق تجميع المعلومات في وحدات أكبر، وهي عملية تُعرف باسم “التجميع”.
تقوم الذاكرة قصيرة المدى بتقييم أهمية المعلومات وتحديد ما إذا كانت تستحق النقل إلى الذاكرة طويلة المدى لتخزينها بشكل دائم. إذا لم يتم معالجة المعلومات في الذاكرة قصيرة المدى أو نقلها إلى الذاكرة طويلة المدى، فإنها ستتلاشى وتُنسى.
الذاكرة طويلة الأمد: الخزان الدائم
الذاكرة طويلة المدى هي نظام التخزين الدائم للمعلومات. يمكن للذاكرة طويلة المدى تخزين كميات هائلة من المعلومات لفترات طويلة جدًا، قد تمتد مدى الحياة. تخزن الذاكرة طويلة المدى أنواعًا مختلفة من المعلومات، بما في ذلك الحقائق والمعارف النظرية، والأحداث والخبرات الشخصية، والمهارات والعادات.
تعتمد الذاكرة طويلة المدى على عملية الترميز لتسجيل المعلومات وتشفيرها بطريقة منظمة. يمكن استرجاع المعلومات من الذاكرة طويلة المدى عند الحاجة إليها، ولكن قد يحدث تشويه أو تغيير في المعلومات المخزنة بمرور الوقت.
أطوار عمل الذاكرة وتطورها
تمر عملية عمل الذاكرة بثلاث مراحل رئيسية:
- مرحلة التعلم: تتضمن هذه المرحلة فهم الموقف وتحليله وإدراكه، ثم تخزينه كنتيجة لعملية الإدراك.
- مرحلة تخزين المعلومات: وهي المدة الزمنية التي يحتفظ بها الفرد بالمعلومات في الذاكرة قصيرة المدى أو طويلة المدى.
- مرحلة الاستخدام الفعلي للذاكرة: وهي عملية التذكر بحد ذاتها، من خلال عمليات معرفية كالتذكر والتعرف والاسترجاع. أي توظيف الخبرات السابقة في استعادة المعلومات المطلوبة.








