جدول المحتويات:
تفسير عبارة “أنت حر ما لم تضر”
تُنسب هذه المقولة إلى بعض الفلاسفة والحكماء، وتشير في جوهرها إلى أن الإنسان يتمتع بحرية التصرف واتخاذ القرارات طالما لم تتسبب أفعاله في إلحاق الضرر بالآخرين أو تجاوز حدود الأدب والأخلاق. بمعنى آخر، تنتهي حرية الفرد عندما تبدأ حقوق الآخرين. فلكل شخص الحق في ممارسة حريته، ولكن هذا الحق مشروط بعدم التعدي على حقوق الآخرين وحرياتهم المشروعة.
محددات الحرية في الشريعة الإسلامية
الحرية في الإسلام تعني التحرر من القيود التي تعيق الإنسان عن ممارسة حقوقه المشروعة، والاستمتاع بما أباحه الله له. الإسلام يعتبر الحرية حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، ويجعل سلبها أو التعدي عليها من الظلم. ومع ذلك، فإن الحرية في الإسلام ليست مطلقة، بل تخضع لضوابط تهدف إلى حماية الفرد والمجتمع. أهم هذه الضوابط هو أن تكون ممارسة الحرية متوافقة مع مرضاة الله عز وجل، وألا تتعدى على حدوده.
هناك قيود وضوابط رئيسية للحرية يجب مراعاتها:
تجنب إلحاق الأذى بالغير
يُعد هذا القيد من أهم القيود التي يجب على الإنسان أن يلتزم بها. فلكل فرد الحق في ممارسة حريته، ولكن ليس له الحق في أن يعتدي على حقوق الآخرين أو أن يلحق بهم الأذى بأي شكل من الأشكال. فالإضرار بالآخرين محرم في الإسلام لما يترتب عليه من فساد في المجتمع وزعزعة لاستقراره.
المقولة الشهيرة “حريتك تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين” تلخص هذا المفهوم بشكل دقيق. فكما أن لك الحق في التصرف بحرية، فلغيرك نفس الحق. التمادي في الحرية قد يؤدي إلى انتهاك حقوق الآخرين. وقد نهى الله تعالى عن الاعتداء في قوله:
(وَلَا تَعْتَدُوا) [المائدة: 87]
تجنب إلحاق الأذى بالنفس
حفظ النفس هو أحد أهم مقاصد الشريعة الإسلامية. فالله تعالى وهب الإنسان هذه النفس أمانة، وعليه أن يصونها ويحافظ عليها. لذا، فإن أي ممارسة للحرية تؤدي إلى إلحاق الضرر بالنفس تعتبر غير جائزة شرعاً، وتعد ظلماً كبيراً. فكما أن الآباء يمنعون أبنائهم مما يضرهم، فإن الله تعالى حرم على عباده أموراً نهاهم عنها رحمة بهم وحفاظاً عليهم. قد يدرك العبد الحكمة من هذا التحريم وقد لا يدركها، ولكن في المجمل، فإن كل أوامر الله ونواهيه هي لمصلحة العبد، سواء علم بذلك أم لم يعلم.
ومن الأحاديث الجامعة في هذا الشأن، ما رواه المقدام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ، بحسبِ ابنِ آدمَ أكلاتٍ يُقمنَ صُلبَهُ، فإن كان لا محالةَ: فثلُث لطعامِه، وثُلُثٌ لشرابِه وثُلُثٌ لنفَسِه)
الالتزام بالأوامر وتجنب النواهي
هذا القيد يتعلق بحق الله عز وجل على عباده. فكما أن الله تعالى منح الإنسان الحرية ووسّع عليه، فله سبحانه حقوق على العبد يجب عليه الالتزام بها لينال الراحة والسعادة في الدنيا والآخرة. لذا أرسل الله الرسل وأنزل الكتب لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور. يقول الله تعالى:
(هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّـهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) [الحديد: 9]
فالحرية الحقيقية تكمن في اتباع أوامر الله واجتناب نواهيه، لأن ذلك هو السبيل إلى السعادة والفلاح.
المصادر
- أحمد مختار عمر، معجم اللغة العربية المعاصرة، صفحة 467.
- جامعة المدينة المنورة، السياسات الشرعية جامعة المدينة، صفحة 746.
- علي أحمد مدكور، مناهج التربية أسسها وتطبيقاتها، صفحة 155.
- أبوغالب بن علي عواجي، كتاب المذاهب الفكرية المعاصرة ودورها في المجتمعات وموقف المسلم منها، صفحة 1188.
- سورة المائدة، آية: 87
- فضل مراد، المقدمة في فقه العصر، صفحة 50-51.
- رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن المقدام بن معدي كرب، الصفحة أو الرقم: 2380، حسن صحيح.
- سورة الحديد، آية: 9
