تميز العصر العباسي الثاني بتنوع كبير في جوانب الحياة المختلفة، بما في ذلك الجانب الديني والاجتماعي. في هذا العصر، برزت حركات التقشف والتصوف كاستجابة لبعض مظاهر الترف واللهو التي بدأت تظهر في أوساط معينة من المجتمع. يهدف هذا المقال إلى إلقاء نظرة على هذه الحركات، وأنواعها، وأفكارها، وأهم رموزها، مع تقديم نماذج من الشعر الذي عكس هذه الاتجاهات.
التقشف في الحياة العباسية
على الرغم من أن بعض فئات المجتمع، خاصة الطبقات الغنية، قد انغمست في مظاهر البذخ والانغماس في المتع، إلا أن غالبية المجتمع العباسي حافظت على قيم الإسلام والأخلاق العربية الأصيلة. هؤلاء الناس لم يعرفوا حياة الترف، وكانوا ينظرون باستياء إلى مظاهر الفساد والانحلال.
وبالتوازي مع انتشار مجالس اللهو، ظهرت حركات نشطة للدعوة إلى الزهد والابتعاد عن الدنيا في المساجد. برز عدد كبير من الفقهاء والمحدثين الذين رفضوا ملذات الحياة، وكرسوا جهودهم للعبادة، مبتعدين عن مظاهر الترف، وكان لهم تأثير كبير على عامة الناس.
من بين هؤلاء، كان إبراهيم بن إسحق الحربي، الذي رفض بشدة ملذات الدنيا، وامتنع عن أخذ أي مقابل مادي مقابل تدريس حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان يرفض أي أموال تأتيه من الخلفاء أو السلاطين، وعاش حياة بسيطة ومتواضعة. يُروى أن الخليفة العباسي المعتضد أرسل إليه عشرة آلاف درهم، لكنه رفض قبولها.
أصناف المتزهدين والمتصوفة
ظهر نوعان رئيسيان من التقشف والتصوف في هذا العصر:
المتقشفون الحقيقيون
اتبع هؤلاء المتقشفون نهج النبي صلى الله عليه وسلم في التقشف، وكان زُهدهم نابعًا من صميم تعاليم الإسلام. لم يبتعدوا عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم في التقشف. ومن أبرزهم الحارث المحاسبي، الذي استمد زهده من القرآن الكريم والسنة النبوية، ودعا إلى محاسبة النفس ومراقبتها باستمرار، ورفض فكرة أن التوكل يعني التوقف عن العمل والسعي.
المتصوفة
في هذا النوع من التقشف، دخلت بعض التأثيرات من الديانات الأخرى، خاصة الشرقية. بدأ المتصوفة يتحدثون عن التصوف بطريقتهم الخاصة، وأوجدوا مصطلحات تعبر عن معانيهم الخاصة. على الرغم من أن التصوف لم يبتعد عن تعاليم الإسلام في بدايات هذا العصر، إلا أن بعض الشطحات ظهرت لاحقًا، مثل فكرة الحلولية التي ظهرت عند الحلاج.
من أشهر المتصوفة في هذا العصر ذو النون المصري، الذي عاصر الحارث المحاسبي. كان أول من تحدث عن المقامات والأحوال الصوفية، وعلى الرغم من أنه لم يبتعد عن عقيدة الإسلام، إلا أنه لم يسلك سبيل التقشف المحمدي. كان أول من تحدث عن علم الباطن في التصوف، وأن التصوف خاص بالصفوة من الناس.
المفاهيم والرموز الصوفية في تلك الحقبة
كما ذكرنا، بدأت المفاهيم والمصطلحات الصوفية تظهر في هذا العصر. من بين هذه المفاهيم:
- تقسيم المعرفة إلى ثلاثة أقسام: قسم عام يشترك فيه جميع المسلمين، وقسم خاص بالعلماء، وقسم خاص بالصوفية. هذه المقولة تعود لذي النون المصري، الذي فرق بين معرفة العلماء العقلية ومعرفة الصوفية القلبية، على حد زعمه.
- اعتبار التصوف معرفة باطنية: لا يمكن الحديث عنها، وأن التصوف خاص بالصفوة من الناس، وليس متاحًا للجميع. وقد قال بذلك ذو النون المصري.
- الحديث عن الأحوال والمقامات: بدأ ذو النون المصري في الحديث عنها، ثم تبعه السري السقطي، الذي نشر التصوف في بغداد وتوسع في الحديث عن هذه المفاهيم.
- فكرة الفناء في الذات الإلهية: بالإضافة إلى فكرة السكر والعشق الإلهي، وقد أدخلها البسطامي على التصوف، وهي أفكار تتعارض مع الشريعة الإسلامية.
- فكرة الملامة: ومفادها أن يظهر المتصوف للناس أنه مذنب حتى لا يعلم الناس حقيقة تصوفه وإخلاصه لله، وبهذا تتحقق فكرة ذي النون المصري بأن التصوف خاص بالصفوة. وقد وضع فكرة الملامة حمدون القصار النيسابوري، وكانت البداية لإسقاط الفرائض عن خواص المتصوفة، على حد زعمهم.
- القول بالولاية لشيخ المتصوفة: وقد وضعها محمد بن علي بن الحسن، وزعم أن الولاية لها خاتم، كما أن للأنبياء خاتم، وأن الولاية أعظم من النبوة، وغيرها من أفكار المتصوفة وشطحاتهم.
أمثلة من قصائد التقشف والتصوف في العصر العباسي الثاني
نماذج من شعر التقشف والتصوف في العصر العباسي الثاني:
يقول ابن الرومي في شعر الزهد واصفاً وقفة الزاهد بين يدي ربه:
بات يدعو الواحدا الصمدا
في ظلام الليل منفردا
خادم لم تُبْقِ خدمتُه
منه لا رُوحاً ولا جَسدا
قد جفتْ عيناه غمْضَهما
والخليُّ القلب قد رقدا
في حشاه من مخافته
حُرُقاتٌ تلْذع الكبِدا
الو تراه وهو منتصب
مُشْعِرٌ أجفانَه السُّهُدا
كلما مَرَّ الوعيدُ به
سحَّ دمعُ العين فاطَّردا
ووهت أركانه جزعاً
وارتقت أنفاسه صُعُدا
قائلٌ يا منتهى أملي
نجِّني مما أخاف غدا
أنا عبدٌ غرّني أملي
وكأنَّ الموتَ قد وردا
وخطيئاتي التي سلفت
لستُ أحصي بعضَها عددا
[5]
يقول الحلاج وهو أكثر شعراء التصوف الذين جانبوا الزهد الإسلامي وداخلوا تصوفهم بالديانات الشرقية:
سُبحانَ مَن أَظهَرَ ناسوتُهُ
سِرَّ سَنا لا هَوَتهِ الثاقِبِ
ثُمَّ بَدا في خَلقِهِ ظاهِراً
في صورَةِ الآكِلِ وَالشارِبِ
حَتّى لَقَد عايَنَهُ خَلقُهُ
كَلَحظَةِ الحاجِبِ بِالحاجِبِ
[6]
المراجع
- أ شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، صفحة 104- 106. بتصرّف.
- ↑ شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، صفحة 108. بتصرّف.
- أ شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، صفحة 108- 109. بتصرّف.
- ↑ شوقي ضيف، تاريخ الأدب العربي، صفحة 108- 114. بتصرّف.
- ↑ ابن الرومي،”بات يدعو الواحد الصمدا”، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 16/2/2022.
- ↑ الحلاج،”سبحان من أظهر ناسوته”، الديوان، اطّلع عليه بتاريخ 16/2/2022.
