الترابط والتآزر في المجتمع

تمهيد

الثناء كله لله، نستعينه ونستغفره ونسأله الهداية، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهدِهِ الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلن تجد له مرشداً. الحمد لله الذي جعل الناس أممًا وقبائل، وجعل معيار الكرامة بينهم التقوى. الحمد لله الذي غرس في القلوب الرحمة والتكافل.

والصلاة والسلام على النبي الأمين الذي علم الأمة سُبل التعاون على الخير وحثهم عليها، محمد -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم ارض عن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

الحث على خشية الله

أيها الإخوة الكرام، أوصيكم بتقوى الله عز وجل في السر والعلن، فالتقوى هي أساس كل خير، وهي الفيصل بين الناس، وبها تسمو النفوس. وأحذركم من معصية الله ومخالفة أوامره، فالهداية هي هداية الله، وسعادة الدنيا والآخرة تكمن في اتباع أوامره واقتفاء أثر نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- القدوة الحسنة.

القسم الأول

أيها المؤمنون، لقد حث الله تعالى المسلمين على الترابط والتآزر فيما بينهم، وجعل ذلك سمة مميزة للمجتمع الإسلامي. قال تعالى في سورة المائدة: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. واليوم، نحن في أمس الحاجة إلى التراحم والتكافل، خاصة وأن أمتنا تعاني من الكثير من المصاعب والتحديات.

إن أشكال البر التي دعت إليها الآيات القرآنية متنوعة وعديدة، وتشمل الإيمان بالله والإيمان بالقرآن الكريم والملائكة والأنبياء. كما تشمل التعاون في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لمستحقيها من الأقارب واليتامى والمساكين وابن السبيل. فالأعمال الصالحة كلها قابلة للتعاون بين المسلمين.

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البأساء وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البأس أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.

وتذكر الآيات أن من مظاهر التقوى التي تشمل التعاون؛ الوفاء بالعهود والصبر في الشدائد. وكذلك في مجال التعليم وطلب العلم، فمن يتعاون على المعرفة بالله والإيمان به وملائكته ورسله وكتبه فهو ممن يتعاون على البر والتقوى.

المسلمون يتشاركون الأفراح والأتراح، فالأخ يقف بجانب أخيه في محنته ويدعمه ويقوي عزيمته، فتبنى بينهم روابط التكافل والتعاضد. فلا يتركه يواجه الصعاب وحده دون مساعدة أو دعم، بل يسارع إلى الوقوف بجانبه والعمل على تخفيف الهموم وإدخال السرور على قلبه وأهل بيته.

خاصة ونحن نعيش في زمن كثرت فيه الأحداث والمصائب التي حلت بالأمة الإسلامية من حروب وقتل وظلم واحتلال. فما أحوج المسلم إلى أن يسارع لنجدة أخيه ويتعاون معه ويتقاسم معه اللقمة والكلمة الطيبة والصبر والعزيمة والقوة. فلنكن ممن يعلم الله أنهم نصروا دينه وشريعته وعباده. أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم.

القسم الثاني

الحمد لله الواحد القهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خالقنا ومعبودنا والرحيم بنا. وأشهد أن نبينا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

من الواجب على المسلم أن يسارع لكي يمتثل هذه الأوامر التي حثنا الله عليها من التكافل والتعاون مع المسلمين في كل أعمال الخير والبر. فمن التقوى اليوم الجهاد في سبيل الله، ودعوة الأمة للتعاون مع من يدافع عن الإسلام ومقدسات المسلمين، ودعوة الأغنياء للإنفاق على المجاهدين وتكفل أسرهم.

ومن أبواب الخير أيضًا سد حاجات المحتاجين من المسلمين، والعطف عليهم، والتواضع لهم، وأن يكون المسلم ذا خلق رفيع ومراعياً لمشاعر الناس. يجب أن يتحلى بصفات محببة إليهم، ليناً ومتواضعاً مقتدياً بسيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي وصف أمته بالجسد الواحد الذي يتداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

ابتهال

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، اللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم وحد كلمة المسلمين للعمل بكتابك وسنة نبيك -صلى الله عليه وسلم-. اللهم انصر الإسلام والمسلمين وأذل أعداء الدين، اللهم من أراد بالمسلمين خيراً فوفقه لكل خير، ومن أراد غير ذلك فرد كيده في نحره يا رب العالمين، اللهم كن للمسلمين في كل مكان اللهم انصر المسلمين في كل مكان.

اللهم وحد كلمة المسلمين، اللهم وألف بين قلوبهم واجعلهم متعاونين متحابين متكافلين كالجسد الواحد يا رب العالمين. اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار يا عزيز يا جبار، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

عباد الله، إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكّرون، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

المصادر

المرجع الصفحة
مجموعة مؤلفين، خطب المسجد النبوي 32
عبد العزيز الحجيلان، خطبة الجمعة وأحكامها الفقهية 137
سورة المائدة، آية:2
سورة البقرة ، آية:177
مجموعة مؤلفين، خطب المسجد النبوي 25
مجموعة مؤلفين، خطب المسجد النبوي 27
البيهقي، الآداب 36
مجموعة مؤلفين، خطب المسجد النبوي 29
Exit mobile version