الاستعانة بالله في طلب الرزق

مفهوم الاستعانة بالله في الرزق

الاستعانة بالله -عز وجل- في الرزق تعني تفويض الأمر إليه والثقة به، مع الإيمان بأن الله هو الرزاق ذو القوة المتين. هذا يعني أن العبد يعتمد على الله في جلب الخير ودفع الشر، مع الاعتراف بأن الله وحده هو القادر على ذلك. إنها حالة قلبية عميقة تتجلى في الإيمان الكامل بقدرة الله وعلمه وحكمته.

الاستعانة بالله هي جوهر العبودية، حيث يدرك المؤمن ضعفه وحاجته الدائمة إلى الله. إنها ليست مجرد كلمات تقال، بل هي حالة قلبية راسخة تدفع الإنسان إلى العمل والسعي مع الثقة بأن الله سييسر له أمره.

الاستعانة بالله في الرزق لا تعني التقاعس عن العمل أو الاستسلام للظروف، بل هي دافع للجد والاجتهاد مع اليقين بأن التوفيق بيد الله وحده.

والتوكُّل عبادةٌ موقعها القلب، أي أنها عبادة قلبية، ولا يعرف قدرها إلاّ من كان مؤمناً.[٣]

وجوب الاعتماد على الله -تعالى- وحده في الرزق من طعامٍ ولباسٍ وغيره، وأنَّ العباد لا يقدرون على شيءٍ إلاّ بقدر ما مكَّنهم به الله من أسباب.[٤]

قال -تعالى-:﴿اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقَدِرُ ﴾،[٥]فالله -تعالى- هو الرزَّاق وحده، وعليك أيها العبد أن تبحث عن أسباب الرزق التي هيأها الله لك.

الأخذ بالأسباب مع التوكل

الاستعانة بالله لا تنفي الأخذ بالأسباب، بل هي جزء مكمل لها. فالله -عز وجل- أمرنا بالسعي والعمل، وحثنا على استغلال الطاقات والموارد التي وهبنا إياها. الأخذ بالأسباب هو امتثال لأمر الله، وهو دليل على صدق الاستعانة بالله.

الأخذ بالأسباب يتجلى في البحث عن فرص العمل، وتطوير المهارات، واستشارة أهل الخبرة، والتخطيط للمستقبل. كل هذه الأمور هي من الأسباب التي أمرنا الله بها، وهي لا تتعارض مع الاستعانة بالله، بل هي جزء منها.

إن التوازن بين الاستعانة بالله والأخذ بالأسباب هو مفتاح النجاح في الدنيا والآخرة. فالمؤمن يسعى ويجتهد، ولكنه لا يعتمد على نفسه وقدراته، بل يعتمد على الله ويتوكل عليه.

أمر الله -عزَّ وجلّ- الخلق بالتوكل عليه، وتسليم الأمر إليه، والاطمئنان إلى قدرتهِ -تعالى-، وهذا محلُّه في القلب، ومن جهة أخرى أمر الله -تعالى- العباد بالسَّعي لأمور حياتهم.

ويكون ذلك من خلال بذل الجهد في تحصيل رزقهم والأخذ بالأسباب، وهذا عملٌ بدنيٌّ ظاهر، يجب القيام به والأخذ بالأسباب المشروعة التي يقدر عليها العبد من الدراسة والمعالجة والسعي في الأرض لكيلا يقع في فخ التواكل.[٦]

وقد أمر الله -تعالى- عباده للسعي في الأرض، والأخذ بأسباب الرزق، فقال -تعالى-:﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾.[٧]

وقد كان -عليه الصلاة والسلام- سيد المتوكِّلين على الله -تعالى- فقد كان يأخذ بالأسباب فقد ثبت:(أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ظاهر يوم أحد بين درعين أو لبس درعين).[٨]

وقد ذمَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مَن ترَك الأخذ بالأسباب، ولم يتحقَّق من التوكُّل على الله حق التوكل، فقد لقي عمر بن الخطاب أُناساً جاؤوا من اليمن بدون طعامٍ، وبدون الأخذ بأسباب السفر.

كما أنهم لم يتزوُّدوا بالطعام والشراب بحُجة التوكل على الله -تعالى-، فقال -رضي الله عنه- لمن يُطعمهم ويَسقيهم:(بل أنتم المُتَّكلون، إنّما المتوكِّل الذي يُلقي حبَّه في الأرض، ويتوكَّل على الله).[٩]

أهمية الاستعانة بالله في جلب الرزق

الاستعانة بالله في الرزق لها فوائد عظيمة، منها زيادة الإيمان، ونيل محبة الله، وتحقيق السعادة في الدنيا والآخرة. فالمؤمن الذي يستعين بالله يشعر بالراحة والطمأنينة، ويثق بأن الله لن يخذله.

الاستعانة بالله تجعل الإنسان أكثر تفاؤلاً وإيجابية، وتزيد من قدرته على مواجهة التحديات والصعاب. إنها قوة دافعة نحو النجاح والتميز، وهي سبب للبركة في الرزق والوقت.

الاستعانة بالله هي طريق إلى الجنة، فالمؤمن الذي يستعين بالله في كل أموره، سينال رضا الله وسيحظى بجنة عرضها السماوات والأرض.

زيادة الإيمان التوكُّل على الله -تعالى- مع الأخذ بالأسباب يزيد المؤمن إيماناً في دينه وتسليماً لله في أمره، قال -تعالى-:﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾.[١١]

زيادة النعيم التوكّل على الله -تعالى- في الرزق، يعقبه الإنعام من الله -تعالى- على العبد، وزيادة الفضل له، ودفع السوء عنه، ونيل مرضات الله- سبحانه وتعالى-.

قال -تعالى-:﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ* فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.[١٢]

إنَّ التوكُّل على الله -تعالى- من صفات المؤمنين لقوله -تعالى-:﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.[١٣]

إنَّ الله -تعالى- كافٍ عبده، وناصره، قال-تعالى-:﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.[١٤]

ومن فضائل التوكل على الله -تعالى- ما يأتي:[١٥] يدلُّ على الإيمان الكامل والإسلام الحسن. سببٌ فينيل محبَّة الله-تعالى- له. حفظ الله -تعالى- للمتوكل من الشيطان ووسوسته. عدم النظر إلى رزق الآخرين أو الطمع فيه. سبب من أسباب سِعة الرزق. عدم تجاوز المتوكِّل للحدود الشرعية.

المصادر

  • [١] زين الدين الرازي،مختار الصحاح، صفحة 344. بتصرّف.
  • [٢] الجرجاني ،التعريفات، صفحة 70. بتصرّف.
  • [٣] أحمد بن عمر الحازمي،كتاب التوحيد للحازمي، صفحة 2. بتصرّف.
  • [٤] محمد [لأثيوبي]،البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج، صفحة 537. بتصرّف.
  • [٥] سورة الرعد ، آية:26
  • [٦] حياة بن جبريل،الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة، صفحة 236. بتصرّف.
  • [٧] سورة الملك ، آية:15
  • [٨] رواه أبو داود ، في سنن أبي داود، عن رجل، الصفحة أو الرقم:2590، سكت عنه وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح.
  • [٩] ابن أبي الدنيا،التوكل على الله، صفحة 50. بتصرّف.
  • [١٠] النووي،رياض الصالحين، صفحة 43. بتصرّف.
  • [١١] سورة الأحزاب ، آية:44
  • [١٢] سورة آل عمران ، آية:174-173
  • [١٣] سورة الأنفال ، آية:2
  • [١٤] سورة الطلاق ، آية:3
  • [١٥] مجموعة مؤلفين،نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، صفحة 1398. بتصرّف.
Exit mobile version