هل شعرت يومًا بفقدان الوعي بشكل مفاجئ دون سبب عضوي واضح؟ قد يكون هذا ما يُعرف بالإغماء الزائف النفسي (Psychogenic Pseudosyncope). إنها حالة حقيقية ومربكة قد تؤثر على جودة حياتك.
يختلف الإغماء الزائف النفسي عن الإغماء التقليدي الذي يحدث نتيجة لمشكلة جسدية. يسلط هذا المقال الضوء على هذه الحالة المعقدة، موضحًا أسبابها، أعراضها، كيفية تشخيصها بدقة، وأفضل الطرق للتعامل معها وعلاجها.
- ما هو الإغماء الزائف النفسي؟
- أعراض الإغماء الزائف النفسي
- تشخيص الإغماء الزائف النفسي
- علاج الإغماء الزائف النفسي
- العيش مع الإغماء الزائف النفسي
- خاتمة
ما هو الإغماء الزائف النفسي؟
يُعرف الإغماء الزائف النفسي (Psychogenic Pseudosyncope) بأنه فقدان ظاهر وواضح للوعي، لكنه لا يرتبط بنقص في تدفق الدم إلى الدماغ أو أي اعتلال وظيفي عضوي فيه. بعبارة أخرى، يمر الشخص بحالة تبدو كإغماء حقيقي، لكن وظائف الدماغ الأساسية المتعلقة بالوعي تبقى سليمة.
تُظهر الدراسات أن هذا النوع من الإغماء يُسجل لدى 0-12% من المرضى الذين يعانون من نوبات الإغماء بشكل عام. غالبًا ما يُصنفه الباحثون ضمن حالات الإغماء غير المبرر أو غير المعروف الأسباب، حيث لا يمكن تشخيصه بأسباب عضوية واضحة بنسبة 100%.
يجب التأكيد أن هذا الإغماء النفسي يحدث تمامًا خارج سيطرة الشخص. إنه ليس تمثيلًا أو محاكاة، بل هو استجابة غير إرادية لمؤثرات داخلية أو خارجية.
أسباب الإغماء الزائف النفسي
يُعتقد أن التوتر والقلق هما من أكثر الأسباب شيوعًا وراء الإغماء الزائف النفسي. فالتعرض للتوتر المزمن الناتج عن ظروف قاهرة، أو حتى لحدث حاد ومفاجئ، يمكن أن يحفز الإصابة بهذه الحالة.
تُعد الصدمات النفسية، الضغوطات الحياتية الشديدة، والاضطرابات النفسية الكامنة من العوامل التي تزيد من قابلية الشخص للإصابة بالإغماء الزائف النفسي. هذه العوامل تُحدث خللاً في استجابة الجسم للتوتر، مما يؤدي إلى هذه النوبات.
أعراض الإغماء الزائف النفسي
على الرغم من أن الإغماء الزائف النفسي يحاكي الإغماء الحقيقي، إلا أن هناك مجموعة من الأعراض والسمات التي يمكن أن تساعد في التفريق بينهما. تُلاحظ بعض هذه الأعراض قبل النوبة، بينما تظهر سمات أخرى مميزة أثناء حدوثها.
الأعراض المصاحبة قبل النوبة
وفقًا لبعض الدراسات، قد يتعرض الشخص لمجموعة من الأعراض الإنذارية قبل حدوث النوبة مباشرة. هذه الأعراض تشمل عادةً:
- الشعور بالدوار أو الدوخة.
- ضيق في التنفس أو صعوبة في التقاط الأنفاس.
- تنميل في الأطراف، مثل اليدين والقدمين.
سمات مميزة أثناء النوبة
توجد علامات فارقة تظهر خلال نوبة الإغماء الزائف النفسي، تساعد الأطباء في تمييزه عن الإغماء العضوي. من أبرز هذه السمات:
- إغلاق العينين: يميل المريض إلى إغلاق عينيه بإحكام أثناء النوبة، على عكس الإغماء الحقيقي حيث قد تبقى العينان مفتوحتين أو ترتعشان.
- المدة الطويلة: قد تستمر النوبة لفترة أطول من الإغماء العضوي، غالبًا ما تتراوح من خمس دقائق إلى نصف ساعة.
- غياب التعرق أو الشحوب: لا يلاحظ المريض تعرقًا غزيرًا أو شحوبًا في الوجه، وهما من العلامات الشائعة في الإغماء الحقيقي.
- انتظام ضغط الدم ودقات القلب: تبقى مستويات ضغط الدم وضربات القلب منتظمة وغير متأثرة بشكل كبير خلال الإغماء.
- التعرض لإصابة جسدية: قد يتعرض الشخص لإصابة رضية نتيجة السقوط المفاجئ أثناء النوبة، مما يسلط الضوء على واقعية الحالة.
- الاقتران بالإغماء الوعائي المبهمي: يمكن أن يترافق الإغماء الزائف النفسي مع الإغماء الوعائي المبهمي (Vasovagal syncope) في بعض الحالات.
تشخيص الإغماء الزائف النفسي
يعتمد تشخيص الإغماء الزائف النفسي على تقييم شامل لا يقتصر على استبعاد الأسباب المرضية العضوية الأخرى. بل يتطلب الأمر مزيجًا من التاريخ المرضي الدقيق والمراقبة السريرية والفحوصات المساعدة.
التاريخ المرضي والمراقبة السريرية
يُعد جمع معلومات مفصلة عن المريض أمرًا بالغ الأهمية. يسأل الطبيب عن:
- عدد مرات تعرض المريض للإغماء النفسي ونمطه.
- ملاحظات عن إغلاق العين خلال الإغماء، واستمرارية النوبة.
- عدم وجود تعرق أو شحوب في الوجه، وانتظام مستويات ضغط الدم وضربات القلب خلال الإغماء.
- مراقبة الإغماء بشكل متواصل، مع مراقبة ضغط الدم ودقات القلب لتأكيد عدم وجود هبوط أو بطء.
قد يساعد سؤال المرافقين للمريض، أو وجود تسجيل فيديو لنوبة الإغماء، الأطباء في الحصول على تشخيص دقيق. تُؤكد التشخيص غالبًا عند توافق هذه المعايير، وخصوصًا في حال ازدياد فرصة حدوث الإغماء الوعائي المبهمي والإغماء الزائف النفسي في نفس الوقت.
الفحوصات المساعدة
بالإضافة إلى التاريخ المرضي والمراقبة، يمكن الاستناد إلى عدد من الفحوصات للمساعدة في التشخيص التفريقي. تشمل هذه الفحوصات اختبار إمالة الرأس (Tilt Table Test)، وخطط كهربية الدماغ (EEG)، وتخطيط دوبلر عبر الجمجمة (Transcranial Doppler).
تساعد هذه الفحوصات في استبعاد الأسباب العضوية الأخرى لفقدان الوعي وتأكيد الطبيعة النفسية للحالة، مما يوجه نحو خطة علاجية مناسبة.
علاج الإغماء الزائف النفسي
يهدف علاج الإغماء الزائف النفسي بشكل أساسي إلى توفير الراحة والطمأنينة للمريض، وتمكينه من استعادة قدرته على ممارسة حياته بشكل طبيعي. يُعد العلاج النفسي حجر الزاوية في التعامل مع هذه الحالة.
العلاج النفسي والدعم
يُظهر العلاج النفسي نجاحًا كبيرًا في مساعدة المرضى على التعافي من الإغماء الزائف النفسي. يشمل هذا النوع من العلاج ما يأتي:
- دعم المريض لاكتشاف حواسه الجسدية والعلامات التي تحفز التوتر لديه. يساعد هذا في فهم الأنماط والمحفزات الخاصة به.
- العلاج النفسي للأسباب الرئيسية الكامنة، مثل التوتر المزمن، القلق الشديد، أو التعرض لصدمة نفسية. يمكن أن يشمل ذلك العلاج السلوكي المعرفي (CBT) وتقنيات إدارة التوتر.
من خلال هذه الأساليب، يتعلم المرضى كيفية التعامل مع الضغوطات بشكل أفضل وتقليل تكرار النوبات.
دور الأدوية
بينما يُعتبر العلاج النفسي المحور الرئيسي، قد يكون من المهم النظر في استخدام الأدوية النفسية عند المرضى الذين يعانون من اضطرابات نفسية مزمنة مصاحبة. هذه الأدوية لا تعالج الإغماء الزائف النفسي مباشرة، بل تُعالج الاضطرابات النفسية الكامنة التي قد تساهم في حدوثه.
لا يوجد حتى الآن الكثير من الدلائل التي تدعم نجاح العلاج الدوائي المباشر للإغماء الزائف النفسي نفسه، وذلك على عكس الدلائل القوية التي تُشير إلى فعالية العلاج النفسي.
العيش مع الإغماء الزائف النفسي
يمكن أن يكون التعايش مع الإغماء الزائف النفسي تحديًا، لكن فهم الحالة والالتزام بالعلاج المناسب يُحدث فرقًا كبيرًا. من الضروري أن يتعلم الأفراد المصابون استراتيجيات التأقلم وأن يطوروا وعيًا ذاتيًا بمحفزاتهم.
يشمل ذلك ممارسة تقنيات الاسترخاء، إدارة التوتر بفعالية، وطلب الدعم من المختصين والأحباب. تذكر أنك لست وحدك في هذه التجربة، والمساعدة متاحة لتمكينك من استعادة السيطرة على حياتك.
خاتمة
الإغماء الزائف النفسي هو حالة طبية نفسية معقدة تتطلب فهمًا شاملاً وتشخيصًا دقيقًا وعلاجًا متخصصًا. إنه ليس مجرد “إغماء” بل استجابة حقيقية للضغوط النفسية والتوتر.
من خلال العلاج النفسي الفعال والدعم المناسب، يمكن للمصابين بهذه الحالة استعادة جودة حياتهم وتقليل تكرار النوبات. إذا كنت تعاني من أعراض مشابهة، فمن الأهمية بمكان أن تسعى للحصول على تقييم متخصص لتشخيص وعلاج مناسبين.








