مقدمة
في هذا المقال، سنتناول دراسة الأقزام البنية، وهي فئة فريدة من الأجرام السماوية التي تحتل مكانة متوسطة بين الكواكب والنجوم. سنستكشف طبيعتها، وخصائصها الفيزيائية، وكيفية تشكلها في الكون، بالإضافة إلى مقارنتها بالنجوم التقليدية. كما سنلقي نظرة على أقرب قزم بني معروف إلى الأرض.
ما هي الأقزام البنية؟
القزم البني هو جرم سماوي يقع في منطقة الوسط بين الكواكب والنجوم. غالبًا ما تكون كتلته أقل من 0.075 من كتلة الشمس، أو ما يعادل حوالي 75 ضعف كتلة كوكب المشتري. الفرق الرئيسي بين القزم البني والنجم هو أن القزم البني لا يتألق من خلال الاندماج النووي للهيدروجين، بل يتألق من خلال اندماج الديوتيريوم (نظير نادر للهيدروجين). تجدر الإشارة إلى أن لون القزم البني ليس بنيًا بالضرورة، بل يمكن أن يتراوح بين الأحمر الداكن والأرجواني، اعتمادًا على درجة حرارته.
السمات المميزة للأقزام البنية
يعتبر القزم البني جرمًا شبه نجمي، فهو ليس كبيرًا بما يكفي لاعتباره نجمًا، ولكنه أيضًا ليس صغيرًا بما يكفي لاعتباره كوكبًا. تتراوح كتلته بين 10 و 90 مرة أكبر من كتلة كوكب المشتري. فيما يلي بعض الخصائص التي تميزه:
- الكتلة: يُطلق على القزم البني لقب “النجم الفاشل” لأنه أكبر من الكوكب، ولكنه لا يمتلك كتلة كافية للحفاظ على الاندماج النووي في نواته. الكتلة المطلوبة للحفاظ على الاندماج النووي هي 1/12 من الكتلة الشمسية (حوالي 90 ضعف كتلة كوكب المشتري).
- درجة الحرارة: تتراوح درجة حرارة سطح القزم البني النموذجي حول 726 درجة مئوية. ومع ذلك، اكتشف العلماء أقزامًا بنية بدرجات حرارة أقل بكثير، تصل إلى 26 درجة مئوية، مما يجعلها قريبة من درجة حرارة جسم الإنسان. هذا يسمح بوجود جزيئات مثل الميثان والماء في أجوائها.
- درجة السطوع: يتميز القزم البني بدرجة سطوع منخفضة جدًا بسبب انخفاض درجة حرارته، مما يجعل رؤيته ومراقبته أمرًا صعبًا. تبلغ درجة لمعانه حوالي 1/10000 من لمعان الشمس.
كيف تتكون الأقزام البنية؟
تتشكل الأقزام البنية بنفس الطريقة التي تتشكل بها النجوم، من خلال تجمع السحب الباردة المكونة من الغاز والغبار في الفضاء بين النجوم. تتقلص الكتل الكثيفة داخل السحب تحت تأثير جاذبيتها، وتدور وتتجمع المواد من المناطق المحيطة على شكل قرص. عندما تصل الكتلة إلى حد كافٍ، يصبح قلب النجم ساخنًا وكثيفًا بدرجة كافية لحدوث الاندماج النووي، ويتألق النجم الجديد. الفرق الوحيد في تشكل الأقزام البنية هو عدم تراكم كتلة كافية لحدوث اندماج الهيدروجين.
اقتراح آخر يرى أن القزم البني هو جسم يتم طرده من الفضلات النجمية في أنظمة نجمية متعددة، حيث يتنافس مع غيره على المادة. في مثل هذه الظروف، يطرد الجسم الأبطأ في النمو قبل أن يجمع ما يكفي من المواد ليصبح نجمًا. إذا كانت الأقزام البنية تتشكل مثل النجوم، فيجب أن يكون لها أقراص تراكمية كبيرة وطويلة العمر مثل تلك الموجودة حول النجوم. أما إذا كانت جسمًا مطرودًا، فيجب أن تفقد أقراصها من خلال تفاعلات الجاذبية التي تؤدي إلى الطرد.
أصل تسمية الأقزام البنية
تم اقتراح وجود القزم البني لأول مرة في الستينيات من قبل عالم الفلك شيف كومار، الذي أطلق عليه اسم القزم الأسود، وتصوره على أنه جسم شبه نجمي مظلم يسبح بحرية في الفضاء، وليس ضخمًا بما يكفي للحفاظ على عملية اندماج الهيدروجين في نواته. بينما اسم القزم البني لم يصاغ إلا بعد ذلك بفترة من قبل عالمة الفلك جيل تارتر في أطروحة الدكتوراه الخاصة بها، وأطلقت عليه هذا الاسم لأن درجة حرارته وسط بين الأقزام البيضاء الباردة والأقزام الحمراء، لذا اعتبرت اللون البني لون وسطي بينهم.
الفروق الجوهرية بين الأقزام البنية والنجوم
الفرق الرئيسي بين النجم والقزم البني هو أن النجم قادر بفضل كتلته على الحفاظ على الاندماج الحراري لنواته، بينما القزم البني لا يمكنه ذلك بسبب كتلته الأصغر. وبالتالي، فإن القزم البني جسم بارد وحرارته أقل بكثير من النجم.
كما أن القزم البني أقل سطوعًا بكثير من النجوم، مما يجعل رؤيته وتتبعه صعبًا. يكون مظلمًا في الضوء المرئي، ولا يتوهج إلا باستخدام ضوء الأشعة تحت الحمراء.
أقرب قزم بني إلى كوكب الأرض
أقرب قزم بني للأرض هو لومان 16 بي (بالإنجليزية: Luhman 16B)، ويقع على بعد 6.5 سنة ضوئية فقط. يشبه لومان 16 بي كوكب المشتري إلى حد كبير، حيث تتدفق الرياح بسرعة شديدة فيه بالتوازي مع خط الاستواء تمامًا مثل تدفق الرياح على المشتري. تساعد هذه الرياح على مزج الغلاف الجوي له، وإعادة توزيع درجة الحرارة التي تنبع من الأعماق. كما يحتوي هذا القزم البني على عواصف تشبه الدوامة عند أقطابه، وهي مشابهة لما يرى على كوكب المشتري.
بعبارة أخرى، فإن هذا القزم البني له نفس الخطوط التي نراها في الغلاف الجوي للمشتري، الاختلاف بينهم هو أن كتلة لومان 16 بي أكبر بكثير من المشتري، حيث تبلغ كتلته 28 ضعف كتلة المشتري تقريبًا، وهو حار جدًا، حيث تبلغ حرارته 830 درجة مئوية، وعلى الرغم من هذا فإن حرارته غير كافية ليكون نجمًا.








