التوجيهات الإسلامية في اختيار الأطعمة
في الشريعة الإسلامية، حث الله عباده على تناول الأطعمة الطيبة والابتعاد عن الخبائث، وذلك لأهمية تأثير الغذاء على سلوك الإنسان وأخلاقه. فالغذاء الطيب يثمر نتائج طيبة، بينما الغذاء الخبيث يؤدي إلى نتائج سلبية. وقد قال الله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: 157]. والأصل في الأطعمة الإباحة، إلا ما جاء دليل شرعي على تحريمه.
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الأطعمة مباحة للمسلم الصالح الذي يستعين بها على طاعة الله، ولكن لا يجوز استخدام المباحات في ارتكاب المعاصي. فالله أباح لعباده الطيبات، ولا يجوز تحريم ما أباحه أو إباحة ما حرّمه. وقد قام العلماء بتحديد المحرمات من الأطعمة بناءً على قواعد شرعية مفصلة، فبعض الأطعمة حرمت بنصوص شرعية عامة أو خاصة، مثل النهي عن بيع وشراء الكلب والهر، والنهي عن قتل الحيوانات والحشرات والطيور دون سبب مشروع.
الرأي الشرعي في أكل لحم الحمير
يختلف الحكم الشرعي لأكل لحم الحمير بحسب نوعها. يجوز أكل لحم الحمار الوحشي، فقد ثبت أن الصحابي أبا قتادة رضي الله عنه اصطاد حماراً وحشياً وأتى بقطعة منه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأكلها وأمر الصحابة بالأكل منها، قائلاً: ﴿هو حلالٌ؛ فكلُوهُ﴾ [مسلم].
بينما يحرم أكل لحم الحمار الأهلي. روى الإمام البخاري في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قوله: ﴿نَهَى النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومَ خَيبَرَ عن لُحومِ الحُمُرِ، ورخَّصَ في لحومِ الخَيلِ﴾ [البخاري]. وجاء لفظ التحريم صريحاً في صحيح مسلم عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿حرَّم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لحومَ الحُمُرِ الأهليةِ﴾ [مسلم].
وقد نقل الإمام ابن قدامة تحريم أكل لحم الحمر الأهلية عن جمهور العلماء، وذكر الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أن خمسة عشر صحابياً كرهوا أكل لحم الحمر الأهلية. بينما ذكر الإمام ابن عبد البر أن العلماء لم يختلفوا في تحريم لحم الحمر الأهلية.
واستدل الشافعي -رحمه الله- بالحديث الدال على تحريم الحمر الأهلية على جواز أكل الحمار الوحشي. فالرسول -صلّى الله عليه وسلّم- نصّ على تحريم الحمار الأهلي دون الوحشي، ما يدلّ على أن لحمه مباح. وأصناف الحمر تنحصر في الأهلي والوحشي، فما نُهي عنه فهو محرّمٌ، وما لم يُنه عنه فهو مباح. ويرى الشافعي أيضاً أن الحمر الوحشية تختلف عن الحمر الأهلية، فلو تحول الحمار الأهلي إلى وحشي، لا يجوز أكله، ولو تحول الحمار الوحشي إلى أهلي جاز أكله، لأن الأصل فيه الإباحة.
ما هو الحكم الشرعي لشرب حليب الحمير؟
اختلف العلماء في حكم شرب لبن الحمار. المعتمد في المذاهب الفقهية الأربعة هو تحريم شربه إلا في حالات الضرورة القصوى. ووردت روايتان في المذهبين الحنفي والشافعي، والصحيح منهما نجاسة لبن الحمار. فقد ذكر كتاب فتح القدير الحنفي أن لبن الحمار نجس نجاسة مغلظة لأنه محرم بالإجماع. وذكر النووي في كتاب المجموع ثلاث روايات، وأصحها نجاسة لبن الحمار.
ويرى المذهب المالكي أن حكم شرب لبن الحيوانات يتبع حكم لحومها، فإذا كان اللحم محرماً كان الحليب نجساً، وهذا ينطبق على الحمار. بينما يرى الحنابلة أن كل ما يخرج من غير مأكول اللحم يعتبر نجساً ولا يجوز أكله أو شربه، ولا يجوز التداوي به. وعليه، يحرم شرب لبن الحمار لنجاسته.
إنّ كلّ ما حرّمه الله تعالى على الأمة الإسلامية؛ حرّمه لأجل ضرره وخبثه، وحمايةً وصيانةً للناس؛ وبذلك فلا يتناسب أن يكون الشفاء والدواء فيما حرّم الله تعالى، وإن كان شفاءً للعلل والأمراض، إلا أنّه يُحدث أمراضاً أعظم في القلب؛ بسبب خبث المحرّم، فتُزال أمراض الأبدان بالمحرّمات؛ لتحلّ مكانها أمراض القلوب بانتهاك حرمات الله تعالى، حيث إنّ التحريم الذي أمر به الله تعالى، يقتضي الابتعاد عمّا حرّم وتجنّبه بكلّ الطرق، وإن اتُخذ المحرَّم دواءً للأمراض، يكون ذلك حضّاً على المحرّمات، وذلك يخالف أوامر الله تعالى، كما أنّ الله تعالى وصفه بأنّه داءٌ وليس دواء، فلا يجوز أن يُتخذ الداء دواءً، كما أنّه يُكسب النفس والروح صفة الخبث، حيث إنّ طبيعة النفس تتأثر تأثراً واضحاً بكيفية التداوي من الأمراض، فإن كان الدواء خبيثاً؛ فإنه يكسب النفس صفة الخبث، وذلك يزيد إن كان الخبث في ذات المحرّم، ولأجل ذلك حرّم الله تعالى كلّ ما هو خبيثٌ، سواءً أكان من الطعام أو الشراب أو اللباس.
خلاصة
في الختام، يتبين لنا أن الشريعة الإسلامية تحث على تناول الأطعمة الطيبة والابتعاد عن الخبائث. يجوز أكل لحم الحمار الوحشي، بينما يحرم أكل لحم الحمار الأهلي. وشرب لبن الحمار محرم عند جمهور العلماء لنجاسته.
