الكبد، هذا العضو الحيوي المعجزة، يحمل سرًا يثير دهشة الكثيرين. ففي عالم الطب، يُطرح سؤال شائع ذو أهمية قصوى: “هل ينمو الكبد بعد استئصال جزء منه؟”. هذه القدرة الفريدة على التجدد ليست مجرد ظاهرة بيولوجية مثيرة للاهتمام فحسب، بل هي ركيزة أساسية في العديد من الإجراءات الطبية، خاصةً عند علاج أمراض الكبد الخطيرة. دعونا نتعمق في فهم هذه الخاصية المذهلة ونكشف الآليات التي تجعلها ممكنة.
- إجابة قاطعة: هل ينمو الكبد بعد استئصال جزء منه؟
- الآليات الخلوية لنمو الكبد المتجدد
- أهمية تجدد الكبد في علاج سرطان الكبد
- هل يمكن العيش بدون كبد؟
إجابة قاطعة: هل ينمو الكبد بعد استئصال جزء منه؟
نعم، يمتلك الكبد قدرة استثنائية على التجدد والنمو بعد استئصال جزء منه. تستغرق هذه العملية عادةً ما بين 4 إلى 6 أسابيع حتى يعود الكبد إلى حجمه ووظيفته الطبيعية تقريباً. خلال هذه الفترة الحاسمة، تتطلب الحالة متابعة طبية مكثفة لضمان الشفاء الأمثل وتجنب أي مضاعفات.
الآليات الخلوية لنمو الكبد المتجدد
لقد كشفت الدراسات المكثفة عن وجود مجموعة من العوامل الحيوية التي تلعب دورًا محوريًا في تجديد خلايا الكبد بعد الاستئصال. تعمل هذه العوامل بتنسيق دقيق لتحفيز الانقسام الخلوي والحفاظ على حيوية الأنسجة المتبقية.
عامل نمو خلايا الكبد (HEPATOCYTE GROWTH FACTOR – HGF)
يُعد عامل نمو خلايا الكبد (HGF) أحد أهم المحفزات الرئيسية لتجدد الكبد. يتوفر هذا العامل بكميات كبيرة نسبيًا ضمن المصفوفة الكبدية، كما يوجد في أعضاء أخرى مثل الرئتين والطحال والدماغ والمشيمة. يرتبط HGF بمستقبلاته المعروفة باسم Met، والتي تتواجد على معظم الخلايا الظهارية والبطانية والعصبية.
يتميز هذا التعبير بخصائص متعددة:
- قدرته المحفزة على انقسام الخلايا: يدفع HGF الخلايا الكبدية للانقسام والتكاثر، مما يساهم في استعادة الكتلة الكبدية المفقودة.
- أثره المضاد لموت الخلايا المبرمج (الاستماتة): يحمي HGF خلايا الكبد من الموت، مما يعزز بقاء الأنسجة السليمة.
لقد لوحظ دور HGF البارز في إعادة نمو الكبد بعد الاستئصال للأسباب التالية:
- تزداد مستوياته في بلازما الدم من 10 إلى 20 ضعفًا بعد الجراحة.
- يُستهلك هذا العامل بنشاط من المخازن داخل الكبد خلال الساعات الثلاث الأولى بعد الاستئصال، ثم يتجدد مرة أخرى في غضون 3 إلى 48 ساعة.
- يُسبب استجابة قوية تهدف إلى توسيع الخلايا الكبدية وتكاثرها.
روابط مستقبلات عامل النمو الجلدي (EPIDERMAL GROWTH FACTOR RECEPTOR – EGFR)
تشكل روابط مستقبلات عامل النمو الجلدي (EGFR) ومستقبلاتها في الكبد جزءًا معقدًا يساهم في إطلاق إشارات الانقسام الخلوي. تحدث هذه العملية عبر تفاعلات معقدة تؤدي إلى ربط المستقبلات وإعادة تدوير الغشاء البلازمي، مما يحفز الخلايا على النمو والانقسام.
عامل نخر الورم (TUMOR NECROSIS FACTOR – TNF)
على الرغم من اسمه الذي قد يوحي بغير ذلك، فإن عامل نخر الورم (TNF) هو بروتين معروف بتأثيراته الإيجابية المتنوعة على العديد من الخلايا والأنسجة. يُعد TNF منشطًا قويًا للخلايا، مما يحفز انقسامها وبالتالي زيادة عددها، ويسهم في تكوين جزء الكبد المستأصل من جديد.
عوامل أخرى داعمة
بالإضافة إلى العوامل المذكورة أعلاه، تساهم عدة عوامل أخرى في عملية تجدد الكبد، منها:
- الإنترلوكين 6 (Interleukin 6)
- الأحماض الصفراوية (Bile acids)
- السيروتونين (Serotonin)
أهمية تجدد الكبد في علاج سرطان الكبد
إن قدرة الكبد على التجدد لا تبعث الطمأنينة في نفس المريض الذي خضع للجراحة فحسب، بل هي حجر الزاوية الذي يعتمد عليه الطاقم الطبي لمتابعة العلاج، خاصةً في حالات سرطان الكبد. يُراقب هذا النمو عن كثب للبدء بالمراحل التالية من العلاج.
المرحلة الأولى: الاستئصال الجزئي والتعافي
في هذه المرحلة من علاج سرطان الكبد، يتم عادةً استئصال جزئي للكبد، حيث يُجمع بين الجراحة واستئصال الورم من فص واحد من الكبد. بعد ذلك، ينتظر الأطباء لمدة شهر إلى شهرين للسماح للجسم بالتعافي وللكبد بإعادة النمو والتجدد. هذه الفترة ضرورية لضمان استعداد الكبد للمرحلة التالية من العلاج.
المرحلة الثانية: استكمال العلاج
تُجرى هذه المرحلة لاستكمال استئصال الفص الثاني من الكبد، إذا كان مصابًا بالسرطان أيضًا. ولكن قبل الشروع في هذه الجراحة، يخضع المريض لفحص الأشعة المقطعية. يُعد هذا الفحص ضروريًا للتأكد من أن حجم الكبد المتبقي قد نما بشكل كافٍ ومناسب لإجراء عملية جراحية أخرى بأمان.
هل يمكن العيش بدون كبد؟
بقدر ما هي مذهلة قدرة الكبد على التجدد، إلا أنه لا يمكن العيش بدونه على الإطلاق. يلعب الكبد وظائف حيوية ومتعددة لا غنى عنها للجسم، مثل إزالة السموم، وإنتاج البروتينات، وتنظيم مستويات السكر في الدم، وغيرها الكثير. لهذا السبب، لا يُستأصل الكبد بالكامل إلا في ظروف استثنائية جدًا تتطلب زراعة كبد فوري من متبرع.
في الختام، يظل الكبد من أكثر الأعضاء إثارة للدهشة في جسم الإنسان، بقدرته الفائقة على التجدد بعد الإصابة أو الاستئصال الجزئي. هذه الخاصية لا تدعم الشفاء فحسب، بل تفتح آفاقًا واسعة في علاج الأمراض الخطيرة، مؤكدة على مرونة وقوة هذا العضو الحيوي.








