اضطراب تعدد الشخصيات (DID): دليل شامل لفهم الأسباب، الأعراض، وطرق العلاج

اكتشف الحقائق حول اضطراب تعدد الشخصيات، المعروف بـ DID. مقال شامل يوضح أسبابه المعقدة، أعراضه المتنوعة، وخيارات العلاج المتاحة لمساعدة المصابين على التعافي.

هل سمعت من قبل عن اضطراب تعدد الشخصيات (DID)؟ ربما تعرفه بأسماء أخرى مثل “انفصام الشخصية المتعددة”. هذه الحالة النفسية المعقدة غالبًا ما تكون محاطة بالكثير من الغموض وسوء الفهم. إنه ليس مجرد “تغيير في المزاج”، بل هو اضطراب خطير يؤثر بعمق على هوية الشخص وذاكرته وإدراكه للواقع.

في هذا المقال، نكشف الستار عن اضطراب تعدد الشخصيات، موضحين ماهيته، أسبابه الكامنة، وكيف تظهر أعراضه المختلفة. كما نستعرض الطرق التي يعتمدها الأطباء لتشخيص هذه الحالة ومسارات العلاج المتاحة لدعم المصابين به نحو حياة أفضل.

جدول المحتويات

ما هو اضطراب تعدد الشخصيات (DID)؟

اضطراب تعدد الشخصيات (Dissociative Identity Disorder – DID) هو حالة صحية نفسية معقدة وشديدة، تُصنف ضمن اضطرابات الانفصام. تتميز هذه الاضطرابات بانقطاع أو “انفصال” في الجوانب التي تعمل عادة بسلاسة في الوعي، مثل الذاكرة، الهوية، العاطفة، الإدراك، والسلوك.

في حالة اضطراب تعدد الشخصيات، يطور الفرد هويتين أو أكثر من شخصيات مميزة ومستقلة، لكل منها نمطها الخاص في إدراك وتفاعل وفهم العالم. غالبًا ما تتناوب هذه الهويات في السيطرة على سلوك الشخص، مما يؤدي إلى فجوات كبيرة في الذاكرة وعدم استمرارية الشعور بالذات.

يمكن أن تختلف شدة أعراض DID بشكل كبير، فقد تكون خفيفة في بعض الحالات، ولكنها غالبًا ما تكون حادة لدرجة أنها تعيق الأداء الوظيفي والاجتماعي للفرد بشكل كبير. يمكن أن يظهر الاضطراب في أي عمر، وتُظهر الإحصائيات أنه أكثر شيوعًا بين الإناث مقارنة بالذكور.

أسباب اضطراب تعدد الشخصيات

ينشأ اضطراب تعدد الشخصيات في المقام الأول كاستجابة نفسية شديدة للضغوط البيئية والشخصية المفرطة، خاصة تلك التي تحدث خلال سنوات الطفولة المبكرة والحاسمة. تُعد الصدمات المتكررة التي تهدد الحياة قبل سن السادسة العامل المسبب الأبرز.

تتضمن هذه الصدمات أشكالًا مختلفة من سوء المعاملة والإهمال العاطفي والجسدي أو الجنسي الشديد والمستمر. في محاولة يائسة لحماية الذات من الألم الذي لا يطاق، يقوم عقل الطفل بفصل هذه التجارب المؤلمة، مما يؤدي إلى تكوين هويات بديلة تحمل هذه الذكريات والعواطف المؤلمة بعيدًا عن الوعي الأساسي.

بالإضافة إلى ذلك، قد يزيد عدم وجود دعم عاطفي كافٍ أو حماية من قبل مقدمي الرعاية خلال فترات الصدمة من احتمالية تطور اضطراب تعدد الشخصيات، حيث يجد الطفل نفسه وحيدًا في مواجهة تجارب قاسية تتجاوز قدرته على التحمل.

التعرف على أعراض اضطراب تعدد الشخصيات

تظهر أعراض اضطراب تعدد الشخصيات بطرق متعددة ومعقدة، ويمكن تقسيمها إلى فئتين رئيسيتين: الأعراض الانفصالية الأساسية والتحديات النفسية المصاحبة.

الأعراض الانفصالية الأساسية

  • فقدان الذاكرة (الزهايمر الانفصالي): يواجه المصابون فجوات كبيرة في الذاكرة لا يمكن تفسيرها بالنسيان العادي، وتتضمن أحداثًا مهمة، معلومات شخصية، أو حتى مهارات مكتسبة. قد لا يتذكرون أحداثًا معينة وقعت أثناء سيطرة هوية أخرى.
  • الشعور بالانفصال عن الذات (تبدد الشخصية): قد يشعر الفرد بالانفصال عن جسده أو عواطفه، وكأنه يراقب حياته من الخارج أو يعيشها في حلم.
  • تصور مشوه للواقع (تبدد الواقع): تبدو الأشياء والأشخاص المحيطون غير حقيقيين أو مشوهين، مما يزيد من الشعور بعدم الاستقرار والارتباك.
  • اضطراب الهوية: يعاني الشخص من شعور غير واضح أو مشتت بالهوية، حيث تتناوب هويات مختلفة، كل منها بصفاتها وذكرياتها ونظرتها للعالم. هذا يسبب ضغوطًا كبيرة في العلاقات الشخصية والمهنية.

التحديات النفسية المصاحبة

إلى جانب الأعراض الانفصالية، غالبًا ما يعاني الأشخاص المصابون باضطراب تعدد الشخصيات من مجموعة واسعة من المشكلات النفسية الأخرى، والتي تشمل:

  • الاكتئاب الشديد وتقلبات المزاج الحادة.
  • القلق ونوبات الهلع والرهاب المتنوعة.
  • أفكار وسلوكيات انتحارية متكررة.
  • اضطرابات النوم مثل الأرق، الذعر الليلي، والمشي أثناء النوم.
  • تعاطي الكحول والمخدرات كمحاولة للتأقلم.
  • الهلوسات السمعية والبصرية.
  • اضطرابات الأكل المختلفة.

كيف يتم تشخيص اضطراب تعدد الشخصيات؟

نظرًا لتعقيد أعراض اضطراب تعدد الشخصيات وتداخلها مع حالات نفسية أخرى، يتطلب التشخيص عملية دقيقة وشاملة. تبدأ هذه العملية عادةً بفحص طبي شامل يقوم به الطبيب لاستبعاد أي أسباب جسدية محتملة للأعراض، مثل الأورام، الصرع، أو الآثار الجانبية لبعض الأدوية.

إذا لم يُعثر على سبب جسدي، يحيل الطبيب المريض إلى أخصائي صحة نفسية مؤهل، مثل طبيب نفسي أو أخصائي نفسي إكلينيكي. يجري الأخصائي مقابلات معمقة وطويلة للحصول على تاريخ طبي ونفسي مفصل للمريض، ويستكشف التجارب الصادمة السابقة وأنماط السلوك الحالية.

يهدف التشخيص إلى تحديد وجود هويتين أو أكثر، وفجوات الذاكرة المرتبطة بها، والتأكد من أن هذه الأعراض لا تُفسر بشكل أفضل باضطراب آخر أو استخدام المواد المخدرة. يعد الفهم العميق لتاريخ المريض وتجاربه الحياتية أمرًا بالغ الأهمية في هذه العملية.

مناهج علاج اضطراب تعدد الشخصيات

لا يوجد علاج موحد أو بروتوكول علاجي قياسي يناسب جميع حالات اضطراب تعدد الشخصيات؛ فكل خطة علاجية تُصمم خصيصًا لتناسب احتياجات الفرد وظروفه. ومع ذلك، غالبًا ما يرتكز العلاج على دمج عدة استراتيجيات لتعزيز الشفاء والتأقلم.

يُعد العلاج النفسي (العلاج بالكلام) حجر الزاوية في علاج اضطراب تعدد الشخصيات. يهدف إلى مساعدة الفرد على دمج هوياته المتعددة، أو على الأقل تحقيق تعاون فعال بينها. يشمل هذا العلاج تقنيات مثل العلاج المعرفي السلوكي (CBT)، العلاج الجدلي السلوكي (DBT)، وعلاج الصدمات المركّز، لمساعدة المرضى على معالجة الصدمات الأساسية وتطوير آليات تأقلم صحية.

بالإضافة إلى العلاج النفسي، تُستخدم تقنيات الاسترخاء واليقظة لتعزيز الاستقرار العاطفي وتقليل أعراض القلق والتوتر. قد تُوصف الأدوية أيضًا، ولكنها لا تعالج اضطراب تعدد الشخصيات نفسه مباشرة. بدلاً من ذلك، تُستخدم الأدوية لمعالجة الأعراض المصاحبة مثل الاكتئاب، القلق، أو اضطرابات النوم، مما يدعم الفرد في رحلته العلاجية الشاملة.

التعايش مع اضطراب تعدد الشخصيات وطلب الدعم

التعايش مع اضطراب تعدد الشخصيات رحلة صعبة تتطلب صبرًا، دعمًا مستمرًا، والتزامًا بالعلاج. من المهم أن يتذكر المصابون أن الشفاء ممكن، وأن الحياة ذات المعنى والإنتاجية في متناول اليد مع الدعم المناسب. يساعد العلاج النفسي المكثف على فهم وتوحيد الهويات المنفصلة، أو على الأقل تحقيق التناغم بينها، مما يقلل من الفوضى الداخلية ويحسن نوعية الحياة.

البحث عن مجموعات الدعم، وتثقيف الأحباء حول طبيعة الاضطراب، وتطوير شبكة دعم قوية، كلها عوامل تساهم بشكل كبير في مسار التعافي. إن طلب المساعدة المتخصصة هو الخطوة الأولى والأكثر أهمية نحو استعادة السيطرة على الذات وبناء مستقبل أكثر استقرارًا وإشراقًا.

الخاتمة:

يُعد اضطراب تعدد الشخصيات حالة معقدة تتطلب فهمًا عميقًا وعلاجًا متخصصًا. من خلال التعرف على أسبابه الكامنة في الصدمات المبكرة، وفهم أعراضه المتنوعة، يمكننا الاقتراب من تشخيص دقيق ومسارات علاجية فعالة. تذكر أن طلب المساعدة من المختصين هو مفتاح التعافي والعيش حياة أكثر استقرارًا وسلامًا.

Total
0
Shares
المقال السابق

تخلص من النسيان وضعف التركيز: دليلك الشامل لطرق علاج فعّالة

المقال التالي

علاج الفتق بالتدليك: حقيقة أم وهم؟ كل ما تحتاج معرفته

مقالات مشابهة

وداعًا للغثيان: اكتشف أفضل طرق علاج الغثيان بطرق بسيطة وسريعة وفعالة

تخلص من شعور الغثيان المزعج! اكتشف في هذا المقال طرق علاج الغثيان بطرق بسيطة وسريعة، من العلاجات المنزلية الطبيعية إلى النصائح الفعالة لتشعر بتحسن فورًا.
إقرأ المزيد