استكشاف مفهوم التسامح وأهميته في بناء المجتمعات

استكشاف مفهوم التسامح وأهميته في بناء المجتمعات، مع تحليل للنظريات المختلفة التي تفسر هذه القيمة الإنسانية النبيلة.

تعريف التسامح

التسامح لغةً، هو مشتق من الفعل “سمح”، والذي يدل على الكرم والجود. يقال “عود سمح” للعود الذي يخلو من العقد، كما ورد في القاموس المحيط. أما اصطلاحًا، فيُعرف التسامح بأنه قيمة إنسانية سامية تتجلى في تقبل الآخرين، واحترام آرائهم وأفكارهم، حتى وإن كانت مخالفة لمعتقداتنا ورؤيتنا الخاصة، وذلك انطلاقًا من إدراكنا لمحدودية معرفتنا وعدم قدرتنا على الإحاطة بكل جوانب الحقيقة.

الأهمية الجوهرية للتسامح

تبرز الأهمية الجوهرية للتسامح في دوره المحوري في نشر المحبة والوئام بين الأفراد. إنه يعزز التواصل الفعال والبناء بين الناس، وهو التواصل الذي يساعدهم على تحقيق الغاية التي خلقوا من أجلها، وهي إعمار الأرض. فبالتسامح، نتجاوز الخلافات ونتحد لتحقيق الخير العام.

قال تعالى: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ” [هود: 118-119]. هذه الآية الكريمة تبين أن الاختلاف سنة كونية، وأن التسامح والرحمة هما السبيل للتعايش السلمي.

تحليل النظريات التي تشرح التسامح

فيما يلي عرض لبعض النظريات البارزة التي تسعى لتفسير مفهوم التسامح:

1. نظرية التمركز العرقي:

يرى العالم وليم كراهام سومنر أن كل فرد يميل إلى تقدير قيم مجتمعه الذي نشأ فيه، ويعتبرها أسمى من غيرها. ومع ذلك، فإن هذا الاعتزاز لا يمنع الفرد من احترام المجتمعات الأخرى وعاداتها وتقاليدها.

2. نظرية السمات الشخصية:

قام جوردن ألبورت بتطوير هذه النظرية، وأكد فيها على الفروق الفردية بين الناس. فليس هناك شخصان متطابقان تمامًا في سماتهما أو تركيباتهما النفسية والعصبية. هذه السمات تؤثر بدورها على سلوكهم، فبعضهم يميل إلى العفو والصفح، بينما يميل البعض الآخر إلى التعصب.

3. نظرية أنساق المعتقدات:

قام متلون روكيش بصياغة نظرية أنساق المعتقدات من خلال مراقبة سلوكيات بعض المتعصبين ودراسة الأسس الفكرية التي تقوم عليها هذه السلوكيات. وخلص في النهاية إلى أن العنصر الأساسي في قضية التسامح والتعصب هو الآلية التي يتبعها الفرد في بناء معتقداته، والطريقة التي يتعامل بها معها، بغض النظر عن طبيعة هذه المعتقدات.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا” [صحيح البخاري]. هذا الحديث النبوي الشريف يحث على التيسير والتبشير بدلاً من التعسير والتنفير، وهو جوهر التسامح.

Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

كل ما تود معرفته عن العجلة

المقال التالي

دراسة حول فن البيع والتسويق

مقالات مشابهة