فهرس المحتويات
تدبرات في سورة الفاتحة
سورة الفاتحة، هي السورة التي يفتتح بها كتاب الله، وتتضمن معاني جليلة القدر. فيما يلي نظرة معمقة في تفسيرها:
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ):[1] يبدأ بها كل عمل صالح تبركاً وتيمناً. الاسم: هو اللفظ الدال على مسمى. الله: هو الاسم الجامع لصفات الكمال والجلال. هذه العبارة تدل على البدء باسم الله، وتقدير الفعل محذوف، كأن القارئ يقول: أبدأ قراءة القرآن الكريم مستعيناً باسم الله. هذا النهج متبع حتى في الجاهلية، حيث كانوا يفتتحون أعمالهم بذكر آلهتهم طلباً للبركة. وفي البسملة إشارة للمسلم أن يبدأ كل عمل بالبسملة لنيل البركة.
البسملة تصف الله بصفتي الرحمن والرحيم، وهما مشتقتان من الرحمة التي تعني الرقة والإحسان. والسلف يرون أنها صفة إلهية لا يدرك كنهها إلا من خلال أثرها وهو الإحسان. الرحمن تدل على عظم الرحمة، والرحيم تدل على دوامها. هناك فرق بينهما، فالرحمن تدل على النعم الجليلة، والرحيم تدل على النعم الدقيقة. الرحمن تشمل جميع الخلق، بينما الرحيم تختص بالمؤمنين. الرحمن صفة خاصة بالله، أما الرحيم فقد يتصف بها البشر.
(الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ):[5] الحمد هو الثناء والشكر على الجميل، ويكون باللسان عن اختيار لا إجبار. هذه الآية تدل على أن الحمد خاص بالله وحده، فهو المستحق للثناء والشكر. رب العالمين: أي الخالق، المعبود، السيد لكل ما في الكون. العالمين تشمل كل المخلوقات من إنس وجن وملائكة. ثم يكرر الله وصف نفسه بالرحمة، وقد سبق تفسير الصفتين.
(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ):[7] يوم الدين هو يوم الجزاء، يوم القيامة حيث يثاب المحسن ويعاقب المسيء. الله وحده مالك هذا اليوم.[4] تخصيص الملكية بيوم الدين مع أن الله مالك الدنيا والآخرة، لأن العبد في ذلك اليوم يتجرد من كل ملك، ولا ملك إلا لله.
(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ):[8] تتضمن الآية معنيين عظيمين: العبادة والاستعانة. العبادة هي الخضوع التام لله مع استشعار عظمته. والاستعانة هي طلب العون والتوفيق من الله في كل الأمور.[3] المسلم يقر بأنه يخص الله وحده بالعبادة والدعاء، ويستعين به حتى في أداء العبادات. ذكر الفعل المضارع (نعبد) و (نستعين) بنون الجماعة ليشعر المسلم بأنه يعبد الله ويستعين به مع جماعة المؤمنين، فيتحقق الإخلاص في قلبه.
(اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ):[9] الهداية هي طلب الرشد. الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وهو طريق الإسلام. الآية تعني أن من أراد السعادة في الدنيا فعليه بسلوك طريق الإسلام، ومن ابتعد عنه فإنه سيشقى.
(صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ):[10] (صراط) هنا بدل من كلمة (الصراط) في الآية السابقة، أي اهدنا طريق الذين أنعمت عليهم وهم الأنبياء والصديقون ومن ذكرت قصصهم في القرآن الكريم، والاقتداء بهم واجب. الذين لم ينعم الله عليهم فئتان: المغضوب عليهم وهم الذين عرفوا الحق ورفضوه وتمسكوا بضلال أجدادهم وهم اليهود. والضالون هم الذين لم يصلهم الحق كاملاً ولم يتمكنوا من معرفة الدين الصحيح وهم النصارى.[6][11]
مكانة سورة الفاتحة
افتتح القرآن الكريم بسورة الفاتحة، ويرى بعض العلماء أنها أول سورة نزلت كاملة على النبي صلى الله عليه وسلم.[12] وهي سورة مكية على الأرجح، وقيل مدنية. عدد آياتها سبع عند من اعتبر البسملة آية، وتتكون من خمس وعشرين كلمة، ومئة وثلاثة وعشرين حرفاً.[13][14] ورغم قلة آياتها، فهي سورة جامعة، تجمع مقاصد الدين الإسلامي: التوحيد، العبادة، الدعاء، الجزاء، والوعيد. لعظمتها، فهي ركن أساسي في الصلاة، ولا تصح الصلاة بدونها، ويسن للمسلم قراءتها في كل الأوقات.[15]
نفحات من فضل سورة الفاتحة
لسورة الفاتحة فضائل جمة ومزايا عديدة، منها:
- وصفها الله بالسبع المثاني، وسماها الرسول صلى الله عليه وسلم أم القرآن.[16]
- تعد أعظم سورة في القرآن الكريم، فعَنْ أبي سعيد بن المعلى -رضي الله عنه- قَالَ:(كُنْتُ أُصَلِّي فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ أُجِبْهُ حَتَّى صلّيت، قال: فأتيته، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنِي؟ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، قَالَ: ألم يقل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ}؟ ثُمَّ قَالَ: لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ، قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ قُلْتَ لأعلمنَّك أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ، قَالَ: نَعَمْ {الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ).[17][18]
- تعتبر ركناً وشرطاً لصحة الصلاة، فمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فلا صلاة له.[19]
- تعتبر من أهم السور والآيات التي حث عليها النبي -عليه الصلاة والسلام- من أجل الرقية من المرض، والحسد، والسحر، وهي شافية بإذن الله -تعالى-.[19]
- تشتمل على معاني القرآن كلها من تمجيد الله -تعالى- وحمده وطلب الهداية منه، وفيها أقسام أعمال العباد وغيرها الكثير من المعاني.[19]
المراجع
- سورة الفاتحة، آية: 1.
- محمد حسين (2010)، موسوعة الأعمال الكاملة (الطبعة الأولى)، سوريا، دار النوادر، صفحة 7-11، جزء 1. بتصرّف.
- محمد حجازي (1413)، التفسير الواضح (الطبعة العاشرة)، بيروت، دار الجيل الجديد، صفحة 10، جزء 1. بتصرّف.
- محمد دروزة (1383)، التفسير الحديث، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، صفحة 285-286، جزء 1. بتصرّف.
- سورة الفاتحة، آية: 2-3.
- محمد المقدم، تفسير القرآن الكريم، صفحة 17-22، جزء 1. بتصرّف.
- سورة الفاتحة، آية: 4.
- سورة الفاتحة، آية: 5.
- سورة الفاتحة، آية: 6.
- سورة الفاتحة، آية: 7.
- أحمد المراغي (1946)، تفسير المراغي (الطبعة الأولى)، مصر، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده، صفحة 36-37، جزء 1. بتصرّف.
- محمد بن عثيمين (1423)، تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة (الطبعة الأولى)، المملكة العربية السعودية، دار ابن الجوزي، صفحة 3، جزء 1. بتصرّف.
- عبد العزيز الراجحي، تفسير ابن كثير، صفحة 4-6، جزء 4. بتصرّف.
- نظام الدين النيسابوري (1416)، تفسير النيسابوري، غرائب القرآن ورغائب الفرقان (الطبعة الأولى)، بيروت، دار الكتب العلميه، صفحة 59، جزء 1. بتصرّف.
- محمد طنطاوي (1997)، التفسير الوسيط لطنطاوي (الطبعة الأولى)، القاهرة، دار نهضة مصر، صفحة 11، جزء 1. بتصرّف.
- ضياء الدين المقدسي، فضائل الأعمال، المدينة المنورة، الجامعة الإسلامية، صفحة 108-109. بتصرّف.
- رواه أحمد شاكر، في عمدة التفسير، عن أبي سعيد بن المعلى، الصفحة أو الرقم: 1/49، صحيح.
- راشد العبد الكريم (2010)، الدروس اليومية من السنن والأحكام الشرعية (الطبعة الرابعة)، المملكة العربية السعودية، دار الصميعي، صفحة 568. بتصرّف.
- سليمان اللاحم (1999)، اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب (الطبعة الأولى)، الرياض، دار المسلم للنشر والتوزيع، صفحة 194-198، جزء 1. بتصرّف.
