استعراض أحكام طواف القدوم للحاج والمعتمر

مقدمة

يعد الحج والعمرة من أعظم شعائر الإسلام، ويشتملان على العديد من المناسك والأعمال التي يجب على المسلم الإلمام بها والحرص عليها. من بين هذه المناسك، يبرز طواف القدوم، وهو أول ما يقوم به الحاج أو المعتمر عند وصوله إلى المسجد الحرام. يهدف هذا المقال إلى استعراض الأحكام المتعلقة بطواف القدوم، وبيان أقوال الفقهاء فيه، وكيفية أدائه بشكل صحيح وفق السنة النبوية.

رأي الفقهاء في طواف القدوم للحاج

اتفق أغلب العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة على أن طواف القدوم للحاج هو من السنن المؤكدة. فإذا تركه الحاج سهواً أو عمداً، لا يترتب عليه إثم أو وجوب فدية. وقد استندوا في ذلك إلى أدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.

استدلوا بقول الله سبحانه وتعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ). وقد أجمع العلماء على أن المقصود بالطواف في هذه الآية هو طواف الإفاضة (الزيارة)، وأن الأمر هنا جاء مطلقاً، مما يدل على أن غيره من أنواع الطواف ليس واجباً. كما قاسوا طواف القدوم على تحية المسجد، وهي سنة يمكن تركها، فطواف القدوم أيضاً سنة لأنه بمثابة تحية للبيت الحرام.

ويرى بعض العلماء أن طواف القدوم سنة لأنه طواف غير ركن، وعلى هذا القياس يكون سنة.

ويرى فقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة أن طواف القدوم سنة لمن قدم من خارج مكة (من الآفاق)، أما الإمام مالك وابن المنذر وأبو ثور، فقد ذهبوا إلى وجوب طواف القدوم على كل من أحرم من خارج الحرم، سواء كان من أهل مكة أو من غيرهم، وسواء كان إحرامه للحج أو للعمرة، إلا إذا ضاق الوقت وخشي فوات الوقوف بعرفة.

واستدل القائلون بالوجوب بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في حجه، وبفعل أبي بكر وعمر والصحابة من بعدهم، حيث كانوا يبدأون بالطواف عند الوصول إلى مكة. وقد ورد في الحديث الشريف عن عائشة رضي الله عنها: (أنَّ أَوَّلَ شيءٍ بَدَأَ به حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بالبَيْتِ، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ فَكانَ أَوَّلَ شيءٍ بَدَأَ به الطَّوَافُ بالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ عُمَرُ مِثْلُ ذلكَ، ثُمَّ حَجَّ عُثْمَانُ فَرَأَيْتُهُ أَوَّلُ شيءٍ بَدَأَ به الطَّوَافُ بالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ مُعَاوِيَةُ وَعَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، ثُمَّ حَجَجْتُ مع أَبِي الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ، فَكانَ أَوَّلَ شيءٍ بَدَأَ به الطَّوَافُ بالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، ثُمَّ رَأَيْتُ المُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارَ يَفْعَلُونَ ذلكَ). ويرى هؤلاء العلماء أن هذا الحديث يدل على وجوب الطواف، وأن تارك طواف القدوم يلزمه دم.

مكانة طواف القدوم في العمرة

يعد طواف القدوم للمعتمر ركناً أساسياً من أركان العمرة، ولا تصح العمرة إلا به، فإذا نوى المعتمر طواف القدوم بنية أخرى غير العمرة، بطلت نيته. فمن دخل مكة قاصداً العمرة، لا يسن له طواف القدوم بنية تحية البيت، بل يطوف طواف العمرة الذي هو ركن من أركانها، ويتداخل طواف التحية مع طواف العمرة. وهذا مثل الداخل إلى المسجد وقت صلاة الفريضة، فلا يشرع له صلاة تحية المسجد.

واستدلوا على ركنية الطواف عند الوصول للبيت للمعتمر بقوله تعالى: (وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ)، وكذلك بإجماع الأمة على ذلك.

وتجدر الإشارة إلى أن ترك طواف القدوم للمعتمر لا يُجزئ عنه الدم، بل تسقط سنيته بالكلية عنه، ويطوف الحاج ركن العمرة. وقد قال الإمام النووي: “واعلم أن العمرة ليس فيها طواف قدوم، وإنما طواف واحد يقال له طواف الفرض، وطواف الركن”. ويذكر الفقهاء عند تعدادهم لأركان العمرة الطواف.

وهذا الطواف من أركان العمرة، سواء كانت هذه العمرة مفردة، أو عمرة التمتع في الحج.

تعريف طواف القدوم وميقاته الزماني

طواف القدوم هو طواف التحية، لأنه مشروع للقادم إلى البيت الحرام من غير أهل مكة. ويسمى أيضاً طواف الورود، وطواف الوارد، وطواف اللقاء، لأنه أول عهد الحاج بالبيت الحرام.

ويعرف الطواف عند الفقهاء بأنه الدوران حول البيت الحرام، أما طواف القدوم فهو الطواف الذي يؤديه القادم إلى مكة من خارجها، ويبدأ وقته من حين دخوله إلى مكة، ويفضل المبادرة إلى فعله قبل أي شيء آخر. أما آخر وقته بالنسبة للحاج عند الجمهور، فهو وقوفه بعرفة، لأنه بعد ذلك يكون مطالباً بطواف الفرض (طواف الزيارة أو الإفاضة)، أما بالنسبة للمعتمر فيكفيه طواف العمرة.

الآداب المطلوبة في الطواف للحاج والمعتمر

يجب على الحاج والمعتمر في الطواف ستر العورة، والطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر، والطهارة من النجاسة، ويبدأ الطواف بجعل البيت عن يساره، والبدء من الحجر الأسود في الركن الذي يلي باب البيت من جانب المشرق (الركن الأسود)، مع استقباله بوجهه والاقتراب منه بشرط عدم إيذاء الآخرين، مع قطع التلبية عند البدء بالطواف.

الطواف سبعة أشواط داخل المسجد الحرام، مع النية على نوع الطواف المراد أداؤه.

ويستحب في الطواف المشي حافياً، ويجوز لبس شيء في القدم لعذر، مع استلام الحجر الأسود وتقبيله ووضع جبهته عليه، وإن استطاع يستلم الركن اليماني والحجر الأسود في كل شوط لفعل النبي صلى الله عليه وسلم.

ويقرأ الحاج أو المعتمر الأذكار والأدعية خلال أشواط الطواف، كقوله: اللَّهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم قنِّعني بما رزقتني، وبارك لي فيه، واخلف علي كُلُّ غائبةٍ لي بخير. كما يسن الإضطباع للرجال (إدخال الرداء تحت المنكب الأيمن، وإلقائه على الكتف الأيسر، مع إبقاء الكتف اليمنى مكشوفة)، ويسن لهم أيضاً الرمل (الهرولة) في الأشواط الثلاثة الأولى.

المراجع

  1. سورة الحج، آية:29
  2. الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد،مجلة البحوث الإسلامية، صفحة 189-190، جزء 4. بتصرّف.
  3. محمد الصقلي (2013)،الجامع لمسائل المدونة(الطبعة 1)، صفحة 503، جزء 4. بتصرّف.
  4. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويت،الموسوعة الفقهية الكويتية(الطبعة 2)، الكويت:دار السلاسل، صفحة 62-63، جزء 17. بتصرّف.
  5. شمس الدين البِرْماوي (2012)،اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح(الطبعة 1)، سوريا:دار النوادر، صفحة 83، جزء 6. بتصرّف.
  6. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن عائشة أم المؤمنين ، الصفحة أو الرقم:1235، صحيح.
  7. الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد،مجلة البحوث الإسلامية، صفحة 213-215، جزء 50. بتصرّف.
  8. محمد العثيمين (1413)،مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين، صفحة 36، جزء 24. بتصرّف.
  9. وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويت،الموسوعة الفقهية الكويتية(الطبعة 2)، الكويت:دار السلاسل، صفحة 62، جزء 17. بتصرّف.
  10. “وقت طواف القدوم”،دار الإفتاء المصرية، 20-10-2014، اطّلع عليه بتاريخ 24/6/2021. بتصرّف.
  11. عبد الله الطيار، عبد الله المطلق، محمد الموسى (2012)،الفقه الميسر(الطبعة 2)، الرياض:مدار الوطن للنشر، صفحة 88-89، جزء 4. بتصرّف.
  12. سعيد باعشن (2004)،شَرح المُقَدّمَة الحضرمية المُسمّى بُشرى الكريم بشَرح مَسَائل التَّعليم(الطبعة 1)، جدة:دار المنهاج للنشر والتوزيع، صفحة 622-629، جزء 1. بتصرّف.
  13. محيي الدين النووي (1994)،الإيضاح في مناسك الحج والعمرة(الطبعة 2)، بيروت:دار البشائر الإسلامية، صفحة 206-210، جزء 1. بتصرّف.
Exit mobile version