يُعد مرض السكري حالة مزمنة تؤثر على ملايين الأشخاص حول العالم، وتتجاوز مضاعفاته مجرد ارتفاع مستويات السكر في الدم. من أخطر هذه المضاعفات وأكثرها إرهاقًا هو تضرر الجهاز العصبي، المعروف طبيًا باسم اعتلال الأعصاب السكري.
يُمكن أن يُسبب هذا التضرر مجموعة واسعة من الأعراض المؤلمة والمُعيقة، مؤثرًا على جودة الحياة بشكل كبير. لحسن الحظ، هناك طرق فعّالة لوقاية مرضى السكري من تضرر الجهاز العصبي، بدءًا من فهم العلاقة بين السكري والأعصاب وصولاً إلى تطبيق استراتيجيات وقائية عملية.
في هذا المقال، سنُسلط الضوء على هذه العلاقة المعقدة، ونستعرض الأنواع المختلفة لتأثير السكري على الأعصاب، ونُقدم لك إرشادات شاملة لحماية جهازك العصبي.
- السكري والجهاز العصبي: فهم العلاقة
- كيف يؤثر السكري على أنواع الأعصاب المختلفة؟
- استراتيجيات وقائية حاسمة: طرق حماية الجهاز العصبي
السكري والجهاز العصبي: فهم العلاقة
يُشكل ارتفاع مستويات السكر في الدم لفترات طويلة تهديدًا كبيرًا للأوعية الدموية الدقيقة التي تُغذي الأعصاب. عندما تتضرر هذه الأوعية، تقل كمية الأوكسجين والمغذيات التي تصل إلى الأعصاب، مما يؤثر على قدرتها على العمل بشكل سليم.
نتيجة لذلك، قد تُصبح الأعصاب بطيئة في إرسال الإشارات، أو تُرسل رسائل خاطئة، أو حتى تتوقف عن العمل تمامًا. هذا التلف العصبي، الناجم عن مرض السكري، يُعرف باسم اعتلال الأعصاب السكري.
ما هو اعتلال الأعصاب السكري؟
يصف اعتلال الأعصاب السكري الضرر الذي يلحق بالأعصاب بسبب ارتفاع مستويات السكر في الدم بشكل مستمر على مر السنين. يُمكن أن يُصيب هذا الاعتلال أي جزء من الجهاز العصبي، مما يؤدي إلى مجموعة متنوعة من الأعراض التي تختلف حسب الأعصاب المتأثرة.
تتراوح هذه الأعراض من الخدر والألم إلى مشاكل في الهضم، وضغط الدم، ووظائف أخرى حيوية في الجسم.
كيف يؤثر السكري على أنواع الأعصاب المختلفة؟
لا يقتصر تأثير مرض السكري على نوع واحد من الأعصاب، بل يُمكن أن يُصيب أنواعًا مختلفة، لكل منها وظيفته الخاصة وتأثيراته الفريدة على الجسم.
الأعصاب المحيطية: عندما تتأثر الأطراف
تُغذي الأعصاب المحيطية الذراعين، اليدين، الساقين، والقدمين. يُؤدي تضرر هذه الأعصاب إلى الشعور بالتنميل، الخدر، والوخز في الأطراف، وغالبًا ما يكون ذلك في اليدين والقدمين.
قد يفقد المرضى القدرة على الإحساس بالألم، الحرارة، أو البرودة، مما يزيد من خطر الإصابات غير المُلاحظة. يُمكن أن تظهر آلام حارقة أو لاذعة، والتي عادة ما تتفاقم أثناء الليل.
يُمكن أن يُغير تلف الأعصاب المحيطية أيضًا من شكل القدمين بسبب ضعف العضلات وتقصير الأوتار، مما يتطلب ارتداء أحذية طبية خاصة لحمايتها.
الأعصاب الذاتية: التأثير على الوظائف الحيوية
تُنظم الأعصاب الذاتية وظائف الجسم اللاإرادية مثل ضربات القلب، التنفس، الهضم، ووظائف المثانة والأعضاء التناسلية. يُمكن أن يُسبب تضررها اضطرابات واسعة النطاق.
خزل المعدة: تحدي الهضم
يُؤدي تلف أعصاب المعدة إلى حالة تُعرف باسم خزل المعدة، حيث تُصبح عضلات المعدة كسولة ولا تعمل بكفاءة. هذا يُبطئ حركة الطعام عبر الجهاز الهضمي، مما قد يُسبب الغثيان، القيء، الإمساك، أو الإسهال.
يُساهم خزل المعدة أيضًا في صعوبة السيطرة على مستويات سكر الدم، حيث يصبح امتصاص الطعام غير منتظم.
ضعف الانتصاب والعنانة: تأثير على الصحة الجنسية
بالنسبة للرجال، قد يُسبب تلف الأعصاب الذاتية المُتجهة إلى القضيب صعوبة في تحقيق الانتصاب الطبيعي أو الحفاظ عليه، وهي مشكلة شائعة بين مرضى السكري.
جفاف المهبل وعسر الجماع
لدى النساء، يُمكن أن يُؤدي تضرر الأعصاب الذاتية المُتجهة إلى المهبل إلى جفاف المهبل والشعور بالألم أثناء الجماع (عسر الجماع).
مشاكل المثانة البولية
يُمكن أن يُسبب تلف أعصاب المثانة صعوبة في إدراك امتلاء المثانة أو تفريغها بالكامل. هذا يُمكن أن يُؤدي إلى احتباس البول، مما يزيد من خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية، أو حتى تسرب قطرات من البول بشكل لا إرادي.
الدوار واضطراب ضغط الدم
عندما تتأثر الأعصاب الذاتية المُتجهة للأوعية الدموية، قد يُصبح الجسم غير قادر على تنظيم ضغط الدم بفاعلية عند تغيير الوضعيات. هذا يُمكن أن يُؤدي إلى شعور بالدوار أو الإغماء عند الوقوف بسرعة، مما يزيد من خطر السقوط.
الأعصاب القحفية: تأثير على الرؤية والوجه
تُعد الأعصاب القحفية مسؤولة عن وظائف حيوية مثل حركة العينين وتعبيرات الوجه. يُمكن أن يُؤدي تلف هذه الأعصاب إلى مضاعفات بصرية أو حركية.
على سبيل المثال، قد يُسبب تضرر الأعصاب القحفية المُتجهة لعضلات العين عدم توافق حركة العينين، مما ينتج عنه رؤية مزدوجة قد تحدث بشكل مفاجئ وتكون مؤقتة. كما يُمكن أن يُؤدي تلف الأعصاب القحفية التي تُغذي جانبًا من الوجه إلى تدلي الجفن السفلي أو الشفتين على الجانب المتأثر.
استراتيجيات وقائية حاسمة: طرق حماية الجهاز العصبي
بعد فهم العلاقة بين السكري وتضرر الجهاز العصبي، يُصبح التركيز على الوقاية أمرًا بالغ الأهمية. يُمكن لاتباع بعض الإرشادات الأساسية أن يُقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بهذه المضاعفات أو يُبطئ من تقدمها.
- المحافظة على مستويات السكر في الدم ضمن المعدل الطبيعي أو أقرب ما يكون إليه: تُعد هذه الخطوة هي الأهم على الإطلاق. يُساعد التحكم الصارم في سكر الدم على حماية الأوعية الدموية والأعصاب من التلف.
- الامتناع عن شرب الكحول: يُمكن أن يُفاقم الكحول من تلف الأعصاب ويُؤثر سلبًا على مستويات السكر في الدم. يُفضل تجنبه تمامًا.
- العناية الفائقة بالقدمين: يُعد فحص القدمين يوميًا والاعتناء بهما بشكل منتظم أمرًا حيويًا لتجنب الإصابات والتقرحات، خاصة مع فقدان الإحساس الناتج عن اعتلال الأعصاب المحيطية.
- مراجعة الطبيب بانتظام: لا تتردد في زيارة طبيبك عند الشعور بأي أعراض جديدة أو تفاقم لأي مشكلة صحية، خاصة تلك المتعلقة بالجهاز العصبي. الكشف المبكر والتدخل السريع يُمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا.
يُعد تضرر الجهاز العصبي نتيجة لمرض السكري تحديًا صحيًا خطيرًا، لكنه ليس حتميًا. من خلال الفهم العميق لكيفية تأثير السكري على أعصابنا واتخاذ خطوات استباقية للسيطرة على المرض، يُمكن لمرضى السكري حماية أجهزتهم العصبية بشكل فعّال.
تذكر دائمًا أن الإدارة الجيدة لسكر الدم، نمط الحياة الصحي، والمتابعة الطبية المنتظمة هي مفاتيحك للحفاظ على صحة أعصابك والعيش بجودة حياة أفضل.








