مقدمة
تعتبر الآيات القرآنية الكريمة منارات هدى ونور، تحمل في طياتها معاني عميقة وإشارات جليلة. ومن بين هذه الآيات، تبرز آية الاستواء كإحدى الآيات التي أثارت اهتمام العلماء والمفسرين على مر العصور. هذا المقال يهدف إلى تقديم فهم واضح وشامل لهذه الآية الكريمة، مع استعراض لأبعادها المختلفة.
تفسير الآية (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)
قال الله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. هذه الآية الكريمة، كما يوضح العلماء، تحمل في طياتها إثبات صفة الاستواء لله عز وجل على عرشه. وقد ورد ذكر استواء الله على العرش في سبعة مواضع مختلفة من القرآن الكريم، مما يؤكد أهمية هذه الصفة.
تعتبر هذه الآية من الآيات التي تستدعي التدبر والتفكر في معانيها، حيث أنها تعكس عظمة الله وقدرته المطلقة. وقد اختلف العلماء في تفسير هذه الآية، ولكنهم اتفقوا على أن الاستواء صفة ثابتة لله تعالى، وأن كيفية هذا الاستواء لا يعلمها إلا هو.
بيان معنى العرش
تحمل كلمة “العرش” معاني متعددة في القرآن الكريم، وذلك بحسب السياق الذي وردت فيه. فمن هذه المعاني:
- بمعنى سرير الملك: كما في قول الله تعالى في سورة النمل: {نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا}.
- بمعنى سقف البيت أو السلطان أو الملك: كما في قوله تعالى: {وَرَفعَ أَبَوَيْه عَلَى الْعَرْشِ}.
وقد فسر السلف الصالح الاستواء بالعلو والارتفاع، مع التأكيد على أنه لا يجوز تكييف أو تمثيل أو تشبيه استواء الله باستواء المخلوقات. فاستواء الله على العرش لا يشبه استواء أي مخلوق على أي شيء. وكما قال الإمام مالك رحمه الله: “الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة”. وهذا تأكيد على أننا نؤمن بأن الله استوى على عرشه، ولكننا لا نعرف كيفية هذا الاستواء.
ويستند هذا الفهم إلى قول الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}، وقوله تعالى في سورة النحل: {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}.
توضيح معنى الاستواء
تأتي كلمة “استوى” في القرآن الكريم على ثلاثة أوجه:
- إذا جاء بعدها حرف الجر “على”: فإن معناها يكون العلو والارتفاع، كما في الآية التي نتناولها.
- إذا جاء بعدها حرف الجر “إلى”: فإن معناها يكون القصد، كقوله تعالى في سورة البقرة: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}.
- إذا لم يأتِ بعدها شيء: فإن معناها يكون الكمال، كقوله تعالى في سورة القصص: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى}.
صلة الآية بما قبلها
قال الله تعالى: {تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا * الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}.
تأتي هذه الآية الكريمة في سياق يؤكد على عظمة الله وقدرته، حيث أنها تربط بين خلق الله للأرض والسماوات واستوائه على العرش. ففي الآية الأولى، يثبت الله لنفسه بأنه هو الخالق المدبر لكل شيء، وفي الآية الثانية يخبر عن عظمته باستوائه على العرش. هذا العلو يليق بجلاله، وهو علو لا يشبه علو المخلوقات.
ذكر بعض فضائل سورة طه
وردت أحاديث نبوية شريفة تتحدث عن فضائل سورة طه، ومن هذه الأحاديث:
- عن أبي أمامة الباهلي -رضي الله عنه-، عن النّبي -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: (اسْمُ اللهِ الأعْظَمُ الذي إذا دُعِيَ بهِ أجابَ؛ في ثلاثِ سُوَرٍ من القُرآنِ: في (البَقرةِ) و(آلِ عِمْرانَ)، و(طه)).
- وما رُوي عن معقل بن يسار -رضي الله عنه-، عن النّبي -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال:(أعطيتُ سورةَ البقرةِ منَ الذِّكرِ الأولِ ، وأعطيتُ طهَ والطواسينَ والحواميمَ منْ ألواحِ موسى ، وأعطيتُ فاتحةَ الكتابِ وخواتيمِ سورةِ البقرةِ منِ تحتِ العرشِ، والمفصلُ نافلةٌ).
المصادر
- سورة طه، آية: 5
- “معنى قوله تعالى”الرحمن على العرش استوى””، اسلام اون لاين
- “معنى العرش”، معجم المعاني
- “معنى قوله: (الرحمن على العرش استوى) عند أهل السنة”، ابن باز
- سورة النمل، آية: 41
- سورة يوسف، آية: 100
- سورة الشورى، آية: 11
- سورة النحل، آية: 74
- سورة البقرة، آية: 29
- سورة القصص، آية: 14
- عبد الرحمن السعدي، تفسير السعدي تيسير الكريم الرحمن
- “تفسير قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى)”، اسلام ويب
- سورة طه، آية: 4-5
- “سورةُ طه”، الدرر السنية
- رواه السيوطي، في الجامع الصغير، عن أبي امامة الباهلي
- رواه السيوطي، في الجامع الصغير، عن معقل بن يسار








