فهرس المحتويات
مقدمة
تعتبر مؤسسة الزواج من أهم المؤسسات الاجتماعية في الإسلام، ولها أحكام وشروط تفصيلية تهدف إلى تحقيق الاستقرار والسعادة للزوجين والمجتمع ككل. من بين المسائل التي تثير جدلاً فقهياً، مسألة الزواج بدون ولي، وخاصة عند اتباع المذهب الحنفي. تسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه المسألة بتفصيل، مع مقارنتها بآراء المذاهب الأخرى.
الولاية في اللغة والاصطلاح
الولاية في اللغة تدل على القرب. يقال: تباعد بعد ولي، أي قرب. والولي: المطر يجيء بعد الوسمي، والولي من يملك التصرف.[١]
أما الولاية في النكاح عند الفقهاء فتعني: أن ينظر الولي ويبحث في أمر النكاح؛ فيأذن به أو يمنعه؛ لأسباب توجب ذلك؛ لأنَّ الولي أعلم بشؤون الرجال وأحوالهم.[٢]
رأي الحنفية في زواج البالغة العاقلة بدون ولي
يذهب الحنفية في الرأي الظاهر والصحيح من مذهبهم إلى جواز زواج المرأة البكر البالغة بنفسها دون الحاجة إلى إذن وليها. وبناءً على ذلك، لا يشترطون وجود الولي لإتمام عقد نكاح المرأة البالغة والعاقلة. كما يجيزون لها تزويج غيرها عن طريق الولاية أو الوكالة.[٣]
ويستندون في ذلك إلى الأدلة التالية:
- قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾.[٤]
- وقوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.[٥]
وجه الدلالة في الآيتين الكريمتين هو أنَّ الله -عز وجل- أضاف النكاح إلى النساء ولم يذكر معها غيرها، فإذا زوجت نفسها من كُفء فلا جُناح على وليها فيما فعلت.[٦]
ولا يوجد فرق في هذا الحكم بين المرأة الثيب والبكر، فنكاحهما صحيح دون ولي، طالما أنها بالغة عاقلة. وقد روي عن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه إن كان الزوج كفئاً جاز النكاح، وإن لم يكن فلا يجوز النكاح.[٦]
واستدلوا كذلك بما روته أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-:(أنَّ فَتاةً دَخَلَتْ عليها، فقالت: إنَّ أبي زوَّجني من ابنِ أخيهِ؛ ليَرفَعَ بي خَسيستَه وأنا كارِهَةٌ، قالت: اجْلِسي حتى يأتِيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فجاءَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فأخْبَرَتْه).[٧] (فأرسَلَ إلى أبيها فدَعاه، فجَعَلَ الأمْرَ إليها، فقالت: يا رسولَ اللهِ، قد أَجَزتُ ما صَنَعَ أبي، ولكن أَرَدتُ أنْ أُعلِّمَ النَّاسَ أنْ ليس للآباءِ من الأمْرِ شَيءٌ).[٧]
ووجه الدلالة في الحديث من عدة وجوه:[٨]
- قوله -عليه الصلاة والسلام:(فانكحي من شئت)،أي جعل الخيار لها في الاختيار، وجعل النكاح تحت تصرفها.
- قولها ذلك، ولم ينكر عليها قولها فدل على جوازه.
- قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:(أجيزي ما صنع أبوك)، يدلّ على توقف إجازة فعله عليها؛ ففعله غير نافذ إلا بعد إجازتها، بمعنى أنَّ زواجه لا ينفذ عليها إلا بعد موافقتها.
واستدلوا بحديث الخنساء بنت خذام الأنصارية -رضي الله عنها-:(أنَّ أباها زوَّجها وهي ثيِّب فكرهت ذلك، فأتت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرد نكاحه)،[٩]لأنها تصرفت بخالص حقها، فهي أحرص على مصلحتها؛ لكونها عاقلة مميزة.[١٠]
وكذلك تملك حق التصرف في المال، فكذلك في الزواج، وكذلك استدلوا بقول الله -عز وجل-:(فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ)،[١١]فالله -عز وجل- نهى الولي عن العضل، والعضل هو المنع.[١٠]
وعند محمد بن الحسن، وهو من كبار فقهاء الحنفية، ينعقد عقد الحرة البالغة العاقلة موقوفاً، فإن أجازه الولي انعقد النكاح، وإن لم يُجزه الولي لم ينعقد النكاح، سواء كان الزوج كُفْئًا أم لم يكن كُفئًا.[١٢]
رأي الحنفية في زواج الصغيرة والمجنونة بدون ولي
يجيز الحنفية للولي أن يزوج الصغيرة أو المجنونة، سواء كانت ثيباً أو بكراً، وهو ما يسمى بولاية الإجبار. ويرون أنه لا يصح زواج الصغيرة أو المجنونة بدون ولي؛ لكونها قاصرة العقل، وغير مدركة لعواقب الأمور.[١٣]
ويستدلون على ذلك بحديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:(الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها).[١٤]
وجهة نظر جمهور العلماء في الزواج بدون ولي
يرى جمهور الفقهاء أنه لا يصح للمرأة أن تزوج نفسها أو غيرها، وإذا فعلت ذلك فنكاحها باطل. ويستندون في ذلك إلى الأدلة التالية:
- حديث عائشة بنت أبي بكر الصديق -رضي الله عنهما-، أنها قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:(أيما امرأة لم ينكحها الولي، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن أصابها، فلها مهرها بما أصاب منها، فإن اشتجروا، فالسلطان ولي من لا ولي له).[١٥][١٦]
- عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:(لا نكاح إلا بولي).[١٧][١٦]
- قول الله -عز وجل-:(وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ)،[١٨]لا تنكحوا هو فعل يتعدى إلى مفعولين، الأول المشركات والثاني محذوف وهو المؤمنات؛ فكأن الله -عز وجل- يقول لا تزوجوا أيها الأولياء المؤمنات للمشركين، فخاطب الله -عز وجل- الأولياء، ولم يخاطب النساء.[١٩]
خلاصة القول
يتضح من خلال استعراض آراء الفقهاء أن مسألة الزواج بدون ولي تثير خلافاً فقهياً واسعاً، حيث يجيزه الحنفية في حالة البالغة العاقلة، بينما يرفضه جمهور العلماء. من الضروري الاطلاع على الأدلة الشرعية لكل رأي قبل اتخاذ قرار في هذا الشأن، مع مراعاة الظروف والأحوال المحيطة.
المراجع
- أحمد الرازي (1399)،معجم مقاييس اللغة، صفحة 141، جزء 6. بتصرّف.
- محمد قلعجي وحامد قنيبي (1408)،معجم لغة الفقهاء(الطبعة 2)، صفحة 510، جزء 1. بتصرّف.
- عبد الله البلدحي (1356)،الاختيار لتعليل المختار، القاهرة:مطبعة الحلبي، صفحة 90، جزء 3. بتصرّف.
- سورة البقرة، آية:230
- سورة البقرة، آية:234
- أبمحمود العيني (1420)،البناية شرح الهداية(الطبعة 1)، بيروت:دار الكتب العلمية، صفحة 70، جزء 5. بتصرّف.
- رواه أحمد، في تخريج المراسيل لأبي داود، عن عائشة أم المؤمنين، الصفحة أو الرقم:196، سنده صحيح وورد عن بريدة وإسناده صحيح على شرط مسلم.
- عبد الله البلدحي (1356)،الأختيار لتعليل المختار، القاهرة:مطبعة الحلبي، صفحة 91، جزء 3. بتصرّف.
- رواه محمد البخاري، في صحيح البخاري، عن خنساء بنت خذام، الصفحة أو الرقم:5138، حديث صحيح.
- أبمحمود العيني (1420)،البناية شرح الهداية(الطبعة 1)، بيروت:دار الكتب العلمية، صفحة 73، جزء 5. بتصرّف.
- سورة البقرة، آية:232
- محمود العيني (1420)،البناية شرح الهداية(الطبعة 1)، بيروت:دار الكتب العلمية، صفحة 70، جزء 5. بتصرّف.
- عبد الرحمن أفندي،مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، صفحة 333، جزء 1. بتصرّف.
- رواه مسلم بن الحجاج، في صحيح مسلم، عن ابن عباس، الصفحة أو الرقم:1421، حديث صحيح.
- رواه محمد بن ماجة، في سنن ابن ماجة، عن عائشة، الصفحة أو الرقم:1879، صححه الألباني.
- أبموفق الدين بن قدامة (1388)،المغني، صفحة 7، جزء 7. بتصرّف.
- رواه محمد بن ماجة، في سنن ابن ماجة، عن أبو موسى، الصفحة أو الرقم:1881، صححه الألباني.
- سورة البقرة، آية:221
- محمد الصابوني (1400)،روائع البيان تفسير آيات الأحكام(الطبعة 3)، دمشق:مكتبة الغزالي، صفحة 285، جزء 1. بتصرّف.
