أهمية تسوية الخلافات وتعزيز العلاقات

مقالة حول أهمية تسوية الخلافات بين الناس وأثرها على المجتمع، مع التركيز على دور الدين الإسلامي في تعزيز المحبة والتآلف.

تمهيد المقال

الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّـهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا).
إن إصلاح العلاقات بين الناس من الأعمال العظيمة التي يثيب الله عليها، فهو سبحانه وتعالى قد جعل هذه المهمة عبادة عظيمة يجازي عليها بالأجر الجزيل. ونصلي ونسلم على النبي الكريم الذي سعى لتوحيد المسلمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

دعوة لخشية الله عز وجل

أيها المؤمنون، أدعوكم ونفسي إلى تقوى الله وطاعته، وأحذركم ونفسي من معصيته ومخالفة أوامره، وذلك لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَـكِنَّ عَذَابَ اللَّـهِ شَدِيدٌ).
فلنتق الله حق التقوى، ولنتذكر أن الشيطان عدو لنا، فلنجعله عدواً لنا ولا ندعه يعكر صفو المودة بيننا. يجب أن نسعى دائماً لإصلاح العلاقات بيننا، فالله يحب الذين يسعون لنشر المحبة والإخاء بين الناس.

القسم الأول

أيها الإخوة، إن ديننا الإسلامي دين يدعو إلى المحبة والوئام والصفاء بين الناس، ويهدف إلى أن يكون المسلمون جميعاً كجسد واحد. وقد وضع الإسلام العديد من التشريعات التي تهدف إلى نشر المودة والرحمة بين أفراد المجتمع.

لقد حث الإسلام على زيارة المريض وإفشاء السلام وتلبية الدعوة، ورتب على ذلك الأجر العظيم. كما نهى وحرم عن ذكر المسلم لأخيه بسوء أو إيذائه أو الاستهزاء به، ونهى عن كل ما يؤدي إلى تعكير صفو العلاقات بين المسلمين.

لقد حرم الإسلام مقاطعة المسلم لأخيه المسلم، واعتبر ذلك أمراً خطيراً جداً، وحذر منه. وقد ورد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل عن سبب إكثاره من صيام يومي الاثنين والخميس، فأجاب بأن الأعمال ترفع إلى الله -عز وجل- في هذين اليومين، فيغفر الله للمسلمين إلا المتخاصمين.

جاء في الحديث: (تُفْتَحُ أبْوابُ الجَنَّةِ يَومَ الإثْنَيْنِ، ويَومَ الخَمِيسِ، فيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا، إلَّا رَجُلًا كانَتْ بيْنَهُ وبيْنَ أخِيهِ شَحْناءُ، فيُقالُ: أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا، أنْظِرُوا هَذَيْنِ حتَّى يَصْطَلِحا).

إن الصلح بين الناس أمر ضروري وواجب، يجب علينا أن نصلح ما بيننا وبين إخواننا، وأن نقرب بين النفوس ونزيل أسباب العداوة. يشمل الصلح المتخاصمين كالزوجين، وحالات الجراحات كالعفو عن المال، وقطع الخصومات في الأملاك والمشتركات. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم بذلك، ودلت النصوص الشرعية على فضل هذا العمل.

إن أجر السعي في الصلح بين المتخاصمين عظيم، كما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. قال تعالى: (لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّـهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا).

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عليه صَدَقَةٌ، كُلَّ يَومٍ تَطْلُعُ فيه الشَّمْسُ، قالَ: تَعْدِلُ بيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وتُعِينُ الرَّجُلَ في دابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عليها، أوْ تَرْفَعُ له عليها مَتاعَهُ صَدَقَةٌ، قالَ: والْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيها إلى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وتُمِيطُ الأذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ).

في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- أمثلة كثيرة وقصص للإصلاح بين المتخاصمين، وكان يسافر المسافات الطويلة لتحقيق ذلك.

جاء في الحديث:(بَلَغَ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ بقُبَاءٍ كانَ بيْنَهُمْ شيءٌ، فَخَرَجَ يُصْلِحُ بيْنَهُمْ في أُنَاسٍ مِن أصْحَابِهِ، فَحُبِسَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وحَانَتِ الصَّلَاةُ، فَجَاءَ بلَالٌ إلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا، فَقالَ: يا أبَا بَكْرٍ، إنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قدْ حُبِسَ، وقدْ حَانَتِ الصَّلَاةُ، فَهلْ لكَ أنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ قالَ: نَعَمْ إنْ شِئْتَ، فأقَامَ بلَالٌ الصَّلَاةَ وتَقَدَّمَ أبو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه، فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ وجَاءَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يَمْشِي في الصُّفُوفِ يَشُقُّهَا شَقًّا، حتَّى قَامَ في الصَّفِّ..).

أيها المؤمنون، لقد أباح الإسلام لمن يسعى للإصلاح بين الناس أن يكذب إذا كان ذلك ضرورياً لتقريب وجهات النظر وإزالة الخلاف.

فعن أم كلثوم بنت عقبة:(أنَّهَا سَمِعَتْ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يقولُ: ليسَ الكَذَّابُ الذي يُصْلِحُ بيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا، أوْ يقولُ خَيْرًا).

أستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

القسم الثاني

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها الإخوة، يجب علينا الحرص على إصلاح العلاقات بين الناس لننال أجر هذا العمل العظيم. اتقوا الله وحافظوا على حضور الجمع والجماعات، وتذكروا أن الله أمركم بأمر عظيم بدأ به بنفسه وثنى بملائكته وثلث بكم، فقال: (إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

الدعاء

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات. اللهم اجعلنا متحابين فيك. اللهم واجعلنا من الساعين للإصلاح بين الناس. اللهم واجعلنا لك ذاكرين عاملين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أيها المؤمنون، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

المصادر

  1. سورة الأحزاب ، آية:70-71
  2. سورة الحج ، آية:1-2
  3. صالح أبو عراد (11/7/2008)،”فضل إصلاح ذات البين”،صيد الفوائد، اطّلع عليه بتاريخ 21/1/2022. بتصرّف.
  4. أبيحيى الشيخي (11/9/2020)،”إصلاح ذات البين”،شبكة الألوكة، اطّلع عليه بتاريخ 21/1/2022. بتصرّف.
  5. أبتمحمد المنجد،”إصلا ذات البين”،إسلام ويب، اطّلع عليه بتاريخ 21/1/2022. بتصرّف.
  6. رواه مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:2565، صحيح.
  7. سورة النساء، آية:114
  8. رواه الإمام مسلم، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:1009.
  9. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن سهل بن سعد الساعدي، الصفحة أو الرقم:1218.
  10. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أم كلثوم بنت عقبة، الصفحة أو الرقم:2692.
  11. سورة الأحزاب، آية:56
Total
0
Shares
اترك تعليقاً
المقال السابق

أهمية الجودة والإحسان في العمل بمنظور إسلامي

المقال التالي

مقال حول رابطة الإخاء في الدين

مقالات مشابهة