المهن: جهد وعطاء
لطالما أكدت لي جدتي، منذ بلوغي الثالثة عشرة من عمري، أن العمل هو صمام الأمان من الفاقة والحاجة. فالمهنة، بالنسبة لي، هي بمثابة الطوق الذي ينجي العائلة من براثن الفقر. لهذا، أسعى جاهداً للوصول إلى أعلى مستويات الاحتراف في المجال الذي اخترته. هذا الأمر ليس باليسير، إذ يتطلب دقة متناهية في اكتساب المعرفة والمهارات اللازمة. التعلم الجاد والعمل الدؤوب هما السبيل الوحيد لتحقيق الطموحات، فالدنيا لا تقدم المكافآت على طبق من فضة كما اعتدنا أن نرى في أفلام الرسوم المتحركة القديمة.
التنوع المهني: طريق الازدهار الشامل
قد يعتقد البعض أن تحقيق الثراء يعتمد بشكل كامل على اختيار مهنة رائجة تدر أرباحاً طائلة. لكن، بنظرة فاحصة، ندرك أن النجاح لا يقتصر على شهرة المهنة فحسب، بل يتطلب أيضاً إتقاناً وإخلاصاً وتطويراً مستمراً للذات. فكلما بذل الإنسان جهداً ووقتاً في عمله، كلما انعكس ذلك إيجاباً على نجاحه وثروته. إن قطرات العرق التي يذرفها العامل لكسب لقمة العيش، لو نطقت، لعجزت كتب الأدب والبلاغة عن وصف المعاناة التي يتكبدها الإنسان لتقديم عمله على أكمل وجه.
لكن المهنة لا تحمل في طياتها المشقة فحسب، بل تحمل أيضاً حلاوة النجاح والإبداع. فعندما يتقن الإنسان عمله ويخلص له، يصبح أهلاً لتقديم الأفضل. المهنة تصبح حصناً من الفقر عندما يبذل الإنسان نفسه لها، لا عندما يعاملها كوسيلة لتأمين المأكل والمشرب فقط. فمن لا يطور نفسه ومهاراته، لا يستفيد من عمله بالشكل الأمثل، ولا يترك بصمة في الحياة. فشخصية الإنسان تتجلى في عمله، وعمله هو مرآته. فإذا أردنا تحليل شخصية إنسان ما، فإن أفضل دليل على ذلك هو نتاج عمله. فالعمل هو الجانب الروحي الذي يتجدد الإنسان من خلاله.
المهنة هي التي تعكس شخصية الفرد، وغالباً ما يتم اختيارها بناءً على دوافع نفسية داخلية. بالإضافة إلى ذلك، يكتسب الإنسان الكثير من خلال عمله. فالكاتب، على سبيل المثال، يكتسب الرقة والليونة والهدوء والروح الطيبة من كثرة القراءة والكتابة. والنجار يتعلم كيف يتعامل مع مختلف الظروف من خلال تطويع الخشب وتحويله إلى تحف فنية فريدة. من حكمة الله ورحمته بعباده أن جعل لهم تنوعاً واختلافاً في المهن، فلا تقتصر الحياة على مجال واحد.
إن الازدهار الناتج عن تنوع المهن عظيم جداً. فلو اختار الجميع مهنة واحدة، لما ازدهرت الأرض، بل ستنتشر البطالة. تخيلوا لو أن الجميع اختاروا مهنة الطب، فبالرغم من شرفها وأهميتها، إلا أن المجتمع يحتاج أيضاً إلى الطباخ والعامل والنجار والمصمم والمهندس والمعلم. هذه المهن تتكامل مع بعضها البعض لتشكل مجتمعاً متماسكاً ومكتفياً بذاته، لا يحتاج إلى استيراد الخبرات من الخارج. وهذا هو قمة النجاح. قد يرى البعض أن هناك مهنة أشرف من أخرى، وأن عامل النظافة ليس كالطبيب، وأن بائع الخضار ليس كالمحاسب. وهذا ناتج عن ثقافة مجتمعية خاطئة.
المهن تشكل معاً جسراً قوياً ومتماسكاً يصعب اختراقه. فالمعلم يساهم في بناء الأجيال، والطبيب يساهم في علاجهم، والمهندس يساهم في بناء المساكن الآمنة لهم، وعامل النظافة يساهم في جعل البيئة نظيفة وخالية من الأمراض. لذلك، يجب احترام جميع المهن وتقديرها والإشادة بها. يجب على كل فرد أن يتقن عمله ويبدع فيه، وأن يساهم في بناء مجتمع يتمتع بالصدق والإخلاص. فكل مهنة هي حجر أساس في رقعة شطرنج هذه الحياة، وإذا اختل أحدها، اختل البناء بأكمله.
المهنة هي المصدر الأول الذي يتمكن الإنسان من خلاله من إعالة نفسه والحفاظ على كرامته، فلا يسأل الناس أموالهم. ولما جاء رجل يشكو لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- الفقر والحاجة أمره رسول الله بالعمل، فذهب الرجل واحتطب وصار يأكل من تعب يديه وعرق جبينه، فلا يسأل الناس أموالهم أعطوه أو منعوه، فالعمل واجب على الإنسان والرزق يأتي من الله تبارك وتعالى، ويحاول الإنسان دائمًا أن يطور من مستوى عمله حتى يرقى إلى الجودة المطلوبة التي يتمكن الإنسان معها من الافتخار بنفسه وعمله.
إنّ عمل الإنسان هو شغله الشاغل منذ أن تبدأ أنامله بلمس أدوات مهنته إلى أن يواري جثمانه التراب، فيحصد من ذاك العمل أجمل معاني الحياة ليسطر وإياه ذاكرته الحية التي لا تنتهي بموته؛ إذ سيترك من بعده آثارًا تبكي عليه، فلما كانت الخليقة الأولى في عهد آدم -عليه السلام- وحتى هذه اللحظة قضت الحياة ألا يأكل إنسان من دون عمل وألا يأخذ حبة قمح واحدة دون جهد؛ لذلك لا بدّ أن يكون العمل جزءًا لا يتجزأ من الإنسان حتى يستريح كل منهما إلى الآخر ويعمر المجتمع بكل صدق وإخلاص.
مهنتي: شغفي ومصدر رزقي
إذا نظرنا إلى العمل من زاوية مختلفة، سنجد فيه متعة حقيقية يصب الإنسان من خلالها ذاته ويبدع فيما يصنع. فالإنسان يقضي في عمله نصف عمره أو أكثر، لذا يجب أن يستمتع بما يفعله ويسعى دائماً لتقديم الأفضل. ولا يخفى على أحد قصة نجاح شركة والت ديزني، التي تعد من أكبر شركات الترفيه في العالم. فقد بدأت بفكرة صغيرة من أخوين جمعا بين المتعة والعمل، فخرجت شركة والت ديزني المتربعة على عرش شركات أفلام الرسوم المتحركة، وقد حققت نجاحاً باهراً.








