العمل مصدر البركة و الرخاء
إن السعي و الكسب الحلال قيمة عظيمة، أقرت بها جميع الشرائع السماوية، و رفعت من شأنه. لقد كان لجميع الأنبياء و المرسلين، على مكانتهم الرفيعة، مهنة أو حرفة يقتاتون منها. فمنهم من عمل في النجارة، و منهم من عمل في التجارة، و منهم من عمل في الزراعة. و قدوتنا في ذلك، نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي رعى الغنم ثم عمل بالتجارة، و قد عظم النبي -عليه السلام- من قدر العمل و العاملين.
و من مظاهر بركة العمل، ما يجده الإنسان من زيادة و توفيق في رزقه. فقد ورد أن صحابيًا أتى إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسأله المال مرارًا، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-:
“إنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فمَن أَخَذَهُ بسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ له فِيهِ، ومَن أَخَذَهُ بإشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ له فِيهِ، كَالَّذِي يَأْكُلُ ولَا يَشْبَعُ، اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى”[١]
فأقسم الصحابي ألا يأخذ عطاءً من أحد بعد ذلك. العمل هو الجوهر الحقيقي الذي يدفع الإنسان للسعي في الأرض كما أمره الله تعالى. فقد أنعم الله علينا بنعم لا تحصى، و للحفاظ على هذه النعم، و على رأسها الصحة، يجب أن نعمل و نكسب الرزق الحلال.
إن العمل يحيي فينا قيمًا عظيمة، و يحثنا على المحافظة على ما وهبنا الله من نعم، و التعوذ من الكسل الذي كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتعوذ منه دائمًا. و قد وصلنا عن الصحابة -رضوان الله عليهم- قصص كثيرة تبجل العمل و تحترم العاملين، و على رأسهم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، الذي كان يسأل الشاب عن مهنته، فإذا لم يكن له مهنة، فقد تلك القيمة في نظره.
إتقان الصنعة أساس نهضة الأمم
الوطن هو أغلى ما يملكه الإنسان، و هو المكان الذي ننتمي إليه. و لكي نساهم في بناء وطننا، يجب أن نتقن العمل و نكون مبدعين فيه، فكل عمل شريف يساهم في بناء الوطن و رفعته. و قد جاء رجل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يسأله مالاً، فقال عليه الصلاة والسلام:
“لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بحُزْمَةِ الحَطَبِ علَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بهَا وجْهَهُ خَيْرٌ له مِن أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ”[٢]
على الرغم من بساطة هذا العمل، إلا أنه يمد العون للفرد والمجتمع.
إتقان العمل يؤدي إلى التميز والإبداع. لقد حث الإسلام على العمل و التوكل على الله، و ذلك ليقدم الإنسان لأسرته ما تحتاج إليه، و لوطنه الكثير. الطبيب الماهر يعالج مرضاه و يكتشف العلاجات، و المهندس المبدع يبني الوطن. و المعلم يبني النفوس التي تنهض بالوطن.
لذا، يجب على كل عامل أن يتقن عمله، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
“إنَّ اللهَ يحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكم عملًا أنْ يُتقِنَه”[٣]
فمن لا يتقن عمله، قد يكون سببًا في هدم أحد أساسات المجتمع القوية.
العمل يصون الكرامة و يغني عن الحاجة
التسول من الأمراض الخطيرة التي تهدد المجتمعات. و قد حارب الإسلام هذه الظاهرة بكل قوة، و أولى الطرق التي استخدمها، تحريم سؤال الناس و استعطافهم، و التأكيد على العمل لأنه يحفظ كرامة الإنسان من ذل السؤال. فقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام:
“اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى، فَاليَدُ العُلْيَا: هي المُنْفِقَةُ، والسُّفْلَى: هي السَّائِلَةُ”[٤]
فالإسلام يشجع على العطاء و يذم الأخذ. و العمل عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه، طالما كانت ضمن الحلال.
التوكل على الله لا يعني التواكل و التقاعس عن العمل. فالتوكل الحقيقي هو السعي في الأرض و العمل، كما قال تعالى في سورة الملك:
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ ۖ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}[٥]
علينا أن نتذكر قصة الرجل الذي كان يجلس في المسجد داعيًا الله أن يرزقه، فنهاه النبي -صلى الله عليه وسلم- و أخبره أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة، و أن عليه العمل ثم التوكل على الله.
العمل مكسب مادي و دافع معنوي
الشعور بالعجز و الضعف و الاكتئاب، غالبًا ما يكون سببه الكسل و الفراغ. العمل هو القوة المعنوية التي يكتسبها الإنسان من أي عمل يقوم به. فبدون هدف و عمل، يصبح الفراغ شبحًا يلاحق الإنسان، و يوقعه فريسة سهلة في براثن الضياع، لأن الفراغ يزين له اقتراف الخطايا و المعاصي، و قد يتطور الأمر إلى الجريمة. العمل يحقق للإنسان ما يحتاجه، فيصبح سيد نفسه.
كما قال أحمد شوقي:
سَعيُ الفَتى في عَيشِهِ عِبادَه
وَقائِدٌ يَهديهِ لِلسَعادَهلِ
أَنَّ بِالسَعيِ يَقومُ الكَونُ
وَاللَهُ لِلساعينَ نِعمَ العَونُ
فَإِن تَشَأ فَهَذِهِ حِكايَه
تُعَدُّ في هَذا المَقامِ غايَه
كانَت بِأَرضٍ نَملَةٌ تَنبالَه
لَم تَسلُ يَوماً لَذَّةَ البَطالَه
وَاِشتَهَرَت في النَملِ بِالتَقَشُّفِ
وَاِتَّصَفَت بِالزُهدِ وَالتَصَوُّفِ
العمل يصقل شخصية الإنسان، و يجعله أكثر صبرًا و تحملًا للمسؤولية، و يزيد من ثقته بنفسه، و يجعله أكثر قدرة على حل المشاكل و اتخاذ القرارات الصائبة، فالعمل يعلم الإنسان فنون الحياة.
أتمنى أن يكون هذا الحديث حافزًا لتحقيق أهدافنا. سليمان -عليه السلام- طلب من الله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، و مع ذلك كان يعمل، و عمله كان شكرًا لله على نعمه. فمن أراد أن يكون قويًا و عزيزًا، فليبحث عن عمل يثبت فيه ذاته و يشكر ربه، و يسد به حاجته و حاجة أهله. والحمد لله الذي وهبنا قوة نستطيع بها مزاولة المهن و الأعمال.








