أهمية إدارة الزمن في الإسلام

تمهيد

الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس. الحمد لله الذي أنعم علينا بنعم لا تحصى، وآلاء لا تعد. والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

التوصية بالتقوى

أيها الإخوة والأخوات، أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل في السر والعلن، فهي وصية الله للأولين والآخرين. واعلموا أن التقوى هي خير زاد ليوم المعاد، وهي سبيل الفلاح والنجاة. تذكروا دائماً قول الله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ).[١]

القسم الأول

أيها الحضور الكرام، حديثنا اليوم يدور حول قيمة الزمن وأهميته في حياتنا. إن الزمن هو وعاء الأعمال، ورأس مال الإنسان، وهو أثمن ما يملك. وقد قيل بحق: “الوقت من ذهب”، بل هو أغلى من الذهب، لأنه إذا ذهب لا يعود. وقد قال أحد العلماء: “الوقت هو الحياة نفسها”. كما أن هناك حكمة مشهورة تقول: “الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك.”

إن الشاعر قد أحسن عندما قال: “والوقْتُ أَنْفَسُ ما عَنِيتُ بِحِفْظِهِ وَأَرَاهُ أسهَلَ ما عليك يَضِيعُ”. وأيضًا قولهم: “دَقَّـاتُ قلبِ المـرءِ قَائِلَةٌ لهُ إنَّ الحَيـَاةَ دَقَائقٌ وثَوَان”.

ولبيان عظمة الوقت ومنزلته، أقسم الله تعالى به في مواضع عديدة من كتابه الكريم. والقسم من الله دليل على عظمة المقسم به. فمن ذلك قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى* وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى).[٥] وقوله تعالى: (وَالضُّحَى* وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى).[٦] وقوله عز وجل: (وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ).[٧]

وقد أكد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- على أهمية الوقت، عندما تحدث عن المسائل التي سيسأل عنها العبد يوم القيامة. روى الترمذي عن أبي برزة الأسلمي -رضي الله عنه- قال:(لا تزول قدما عبدٍ حتى يُسألَ عن عمُرهِ فيما أفناهُ، وعن علمِه فيما فعل، وعن مالِه من أين اكتسَبه وفيما أنفقَه، وعن جسمِه فيما أبلاهُ).[٨] وهذا الحديث الشريف دليل قاطع على أن الإنسان محاسب على كل لحظة من لحظات حياته.

ومن الدلالات الواضحة على أهمية الوقت، ارتباط العبادات والشعائر الدينية بأوقات محددة. فالصلاة لها أوقات معلومة، لا يجوز تأخيرها عنها ولا تقديمها عليها، كما قال تعالى: (إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا).[٩] والصيام له وقت يبدأ وينتهي، ويقع في شهر رمضان المبارك، كما قال تعالى: (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ).[١٠]

والزكاة لها وقت يتعلق بحول المال أو بحصاد الثمار، كما قال تعالى: (وَآتوا حَقَّهُ يَومَ حَصادِهِ).[١١] والحج له أشهر معلومات لا يجوز أداؤه في غيرها، كما قال تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ).[١٢] بل إن النبي -صلى الله عليه وسلم- بيّن أن:(الحَجُّ عَرَفةُ).[١٣] وعرفات هو يوم محدد من أيام السنة.

يتميز الوقت بعدة خصائص منها:

  • سرعة انقضائه ومروره، فهو يمضي كلمح البصر، وقد وصفه الله تعالى بقصر المدة التي يشعر بها الإنسان يوم القيامة: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا).[١٤]
  • أنه لا يعوض، فكل لحظة تمضي لا يمكن استرجاعها. وكم يتمنى الإنسان أن يعود به الزمن ليصلح ما أفسده، كما قال الشاعر: “ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب”. وقد قال الحسن البصري: “ما من يوم ينشق فجره إلّا وينادي: يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة”.
  • أنه أثمن ما يملك الإنسان، فهو حياته. وقد قال الحسن البصري: “يا ابن آدم إنما أنت أيام، إذا ذهب يومك ذهب بعضك”.

إذن ما هو واجبنا تجاه الوقت؟

  • الحرص على استغلال كل لحظة فيه، إما في عمل صالح أو في عمل يعود بالنفع على الفرد والمجتمع. وقد قال السلف: “من علامة المقت تضييع الوقت”. وقال الحسن البصري: “أدركت أقواماً كانوا أحرص على وقتهم منكم على دنانيركم”.
  • محاربة مضيعات الوقت، كالملهيات الفارغة، والانشغال بما لا يفيد.
  • اغتنام أوقات الفراغ، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:(نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ).[١٥] وقال أيضًا:(اغتنمْ خمسًا قبلَ خمسٍ: حياتَك قبلَ موتِك، وصحتَك قبلَ سقمِك، وفراغَك قبلَ شغلِك، وشبابَك قبلَ هرمِك، وغنَاك قبلَ فقرِك).[١٦]
  • المسارعة إلى الخيرات، قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).[١٧] وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:(من خاف أَدْلَجَ، ومن أَدْلَجَ بلغ المنزلَ، أَلَا إن سِلْعَةَ اللهِ غاليةٌ، أَلَا إن سِلْعَةَ اللهِ الجنةُ).[١٨]
  • تنظيم الوقت وترتيب الأولويات، بحيث يعطى لكل ذي حق حقه.

القسم الثاني

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. إن قيمة الوقت تكمن في أنه رأس مال المسلم في هذه الدنيا، فعليه أن يحسن استغلاله وتوظيفه فيما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة. وقد أقسم الله تعالى بالوقت في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وهذا دليل على أهميته وعظمته.

فالوقت يمضي سريعاً ولا يعود، لذا يجب علينا أن نغتنم كل لحظة فيه، وأن ننظم أوقاتنا ونستفيد من أوقات الفراغ في فعل الخيرات والأعمال الصالحة.

الدعاء

اللهم إنا نسألك أن تعلمنا ما ينفعنا، وأن تنفعنا بما علمتنا، وأن تزيدنا علماً. اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر.

المصادر

  1. سورة البقرة، آية:281
  2. يوسف القرضاوي،الوقت في حياة المسلم، صفحة 5. بتصرّف.
  3. محمد إسماعيل المقدم،علو الهمة، مصر:دار القمة – دار الإيمان، صفحة 335.
  4. عبد الفتاح أبو غدة،قيمة الزمن عند العلماء(الطبعة 10)، حلب:مكتب المطبوعات الإسلامية ، صفحة 114.
  5. سورة الليل، آية:1-2
  6. سورة الضحى، آية:1-2
  7. سورة العصر، آية:1-2
  8. رواه الترمذي، في سنن الترمذي، عن أبو برزة الأسلمي، الصفحة أو الرقم:2417، حسن صحيح.
  9. سورة النساء، آية:103
  10. سورة البقرة، آية:184
  11. سورة الأنعام، آية:141
  12. سورة البقرة، آية:197
  13. رواه النووي ، في الإيضاح في مناسك الحج، عن عبدالرحمن بن يعمر الديلي، الصفحة أو الرقم:319، صحيح.
  14. سورة النازعات، آية:46
  15. رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن عبدالله بن عباس، الصفحة أو الرقم:6412، صحيح.
  16. رواه السيوطي ، في الجامع الصغير، عن عبدالله بن عباس ، الصفحة أو الرقم:1205، صحيح.
  17. سورة آل عمران، آية:132
  18. رواه المنذري ، في الترغيب والترهيب، عن أبو هريرة ، الصفحة أو الرقم:210، إسناده صحيح أو حسن أو ما قاربهما.
Exit mobile version