مقدمة
في الشريعة الإسلامية السمحة، فتح الله لعباده أبواب التوبة والرجوع إليه، وجعل لهم فرصًا متجددة للتكفير عن ذنوبهم، مهما عظمت أو تكررت. الأدعية والاستغفار هما من الوسائل الفعالة التي يستطيع المسلم من خلالها أن يمحو خطاياه ويستجلب رحمة الله وعفوه. السنة النبوية مليئة بالأدعية التي تعين المسلم على طلب المغفرة والهداية والثبات على الحق.
باب التوبة مفتوح على الدوام، ولا يغلق في وجه العبد الذي يكرر الذنب ثم يعود نادمًا مستغفرًا. فقد جاء في الحديث الصحيح ما يؤكد هذا المعنى العظيم:
(إنَّ عَبْدًا أصابَ ذَنْبًا، فقالَ: رَبِّ أذْنَبْتُ فاغْفِرْ لِي، فقالَ رَبُّهُ: أعَلِمَ عَبْدِي أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ أصابَ ذَنْبًا، فقالَ: رَبِّ أذْنَبْتُ آخَرَ، فاغْفِرْهُ فقالَ: أعَلِمَ عَبْدِي أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أذْنَبَ ذَنْبًا، قالَ: أذْنَبْتُ آخَرَ، فاغْفِرْهُ لِي، فقالَ: أعَلِمَ عَبْدِي أنَّ له رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي ثَلاثًا، فَلْيَعْمَلْ ما شاءَ).
أدعية للتوبة من الذنوب
وردت في السنة النبوية أدعية كثيرة للاستغفار والتوبة، منها:
الاستغفار في الثلث الأخير من الليل
وخاصة في ثلث الليل الأخير، حيث يتجلى الله على عباده ويستجيب دعواتهم:
(إذا مَضَى شَطْرُ اللَّيْلِ، أوْ ثُلُثاهُ، يَنْزِلُ اللَّهُ -تَبارَكَ وتَعالَى- إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فيَقولُ: هلْ مِن سائِلٍ يُعْطَى؟ هلْ مِن داعٍ يُسْتَجابُ له؟ هلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ له؟ حتَّى يَنْفَجِرَ الصُّبْحُ).
سيد الاستغفار
وهو من أفضل صيغ الاستغفار وأكثرها فضلًا:
(اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي، لا إلَهَ إلَّا أنْتَ، خَلَقْتَنِي وأنا عَبْدُكَ، وأنا علَى عَهْدِكَ ووَعْدِكَ ما اسْتَطَعْتُ، أبُوءُ لكَ بنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وأَبُوءُ لكَ بذَنْبِي فاغْفِرْ لِي، فإنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَ، أعُوذُ بكَ مِن شَرِّ ما صَنَعْتُ. إذا قالَ حِينَ يُمْسِي فَماتَ دَخَلَ الجَنَّةَ -أوْ: كانَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ- وإذا قالَ حِينَ يُصْبِحُ فَماتَ مِن يَومِهِ مِثْلَهُ).
دعاء النبي عند القيام للصلاة
دعاء كان النبي -صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- يدعو به إذا قام إلى الصَّلَاةِ:
(وَجَّهْتُ وَجْهي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا، وَما أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ، إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ وَمَمَاتي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، لا شَرِيكَ له، وَبِذلكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ المَلِكُ لا إلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بذَنْبِي، فَاغْفِرْ لي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إنَّه لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ).
(وَاهْدِنِي لأَحْسَنِ الأخْلَاقِ، لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ في يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ ليسَ إلَيْكَ، أَنَا بكَ وإلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ).
(وإذَا رَكَعَ قالَ: اللَّهُمَّ لكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لكَ سَمْعِي وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي وَعَصَبِي. وإذَا رَفَعَ قالَ: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الأرْضِ، وَمِلْءَ ما بيْنَهُمَا وَمِلْءَ ما شِئْتَ مِن شَيءٍ بَعْدُ).
(وإذَا سَجَدَ قالَ: اللَّهُمَّ لكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ. ثُمَّ يَكونُ مِن آخِرِ ما يقولُ بيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وَما أَخَّرْتُ، وَما أَسْرَرْتُ وَما أَعْلَنْتُ، وَما أَسْرَفْتُ، وَما أَنْتَ أَعْلَمُ به مِنِّي، أَنْتَ المُقَدِّمُ وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لا إلَهَ إلَّا أَنْتَ).
قصة عن التوبة من الذنوب المتكررة
روى النبي -صلى الله عليه وسلم- قصة تبين سعة رحمة الله وقبوله لتوبة عباده، مهما بلغت ذنوبهم:
(كانَ فِيمَن كانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عن أعْلَمِ أهْلِ الأرْضِ فَدُلَّ علَى راهِبٍ، فأتاهُ فقالَ: إنَّه قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهلْ له مِن تَوْبَةٍ؟ فقالَ: لا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ به مِئَةً، ثُمَّ سَأَلَ عن أعْلَمِ أهْلِ الأرْضِ فَدُلَّ علَى رَجُلٍ عالِمٍ، فقالَ: إنَّه قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ، فَهلْ له مِن تَوْبَةٍ؟ فقالَ: نَعَمْ، ومَن يَحُولُ بيْنَهُ وبيْنَ التَّوْبَةِ؟).
(انْطَلِقْ إلى أرْضِ كَذا وكَذا، فإنَّ بها أُناسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فاعْبُدِ اللَّهَ معهُمْ، ولا تَرْجِعْ إلى أرْضِكَ، فإنَّها أرْضُ سَوْءٍ، فانْطَلَقَ حتَّى إذا نَصَفَ الطَّرِيقَ أتاهُ المَوْتُ، فاخْتَصَمَتْ فيه مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ، فقالَتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جاءَ تائِبًا مُقْبِلًا بقَلْبِهِ إلى اللهِ).
(وقالَتْ مَلائِكَةُ العَذابِ: إنَّه لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فأتاهُمْ مَلَكٌ في صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَجَعَلُوهُ بيْنَهُمْ، فقالَ: قِيسُوا ما بيْنَ الأرْضَيْنِ، فَإِلَى أيَّتِهِما كانَ أدْنَى فَهو له، فَقاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أدْنَى إلى الأرْضِ الَّتي أرادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ. قالَ قَتادَةُ: فقالَ الحَسَنُ ذُكِرَ لَنا، أنَّه لَمَّا أتاهُ المَوْتُ نَأَى بصَدْرِهِ).
أعمال صالحة تكفر الذنوب
هناك العديد من الأعمال الصالحة التي يحبها الله ويكفر بها السيئات، فمن تكرر وقوعه في الذنب، فليكثر من هذه الأعمال:
قراءة سورة الملك قبل النوم
(إنَّ سورةً من القرآنِ ثلاثون آيةً شَفعت لرجلٍ حتى غُفِرَ له وهي تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ).
الاغتسال أو الوضوء يوم الجمعة والاستماع للخطبة
(لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَومَ الجُمُعَةِ، ويَتَطَهَّرُ ما اسْتَطَاعَ مِن طُهْرٍ، ويَدَّهِنُ مِن دُهْنِهِ، أوْ يَمَسُّ مِن طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فلا يُفَرِّقُ بيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي ما كُتِبَ له، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الإمَامُ، إلَّا غُفِرَ له ما بيْنَهُ وبيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى).
قول الذكر المأثور عند سماع الأذان
(مَن قالَ حينَ يسمعُ المؤذِّنَ: وأَنا أشهدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ وأنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، رضيتُ باللَّهِ ربًّا، وبمحمَّدٍ رسولًا، وبالإسلامِ دينًا، غفرَ لَهُ ذنبُهُ).
قول الذكر المأثور عند الاستيقاظ بالليل
(مَن تعارَّ مِن اللَّيلِ فقال حينَ يستيقظُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له له الملكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ سُبحانَ اللهِ والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أكبَرُ ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ ربِّ اغفِرْ لي غُفِر له).
موافقة قول الملائكة وتأمينها في الصلاة
(إِذَا قالَ الإمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، فَقُولوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لكَ الحَمْدُ، فإنَّه مَن وافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلَائِكَةِ، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ).
(إذا قالَ الإمامُ: “غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ”، فَقُولوا آمِينَ، فمَن وافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلائِكَةِ غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ).
المراجع
- رواه البخاري، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:7507 ، صحيح.
- رواه مسلم ، في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:758 ، صحيح.
- رواه البخاري ، في صحيح البخاري، عن شداد بن أوس، الصفحة أو الرقم:6323 ، صحيح.
- رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن علي بن أبي طالب، الصفحة أو الرقم:771 ، صحيح.
- رواه مسلم ، في صحيح مسلم ، عن أبي سعيد الخدري ، الصفحة أو الرقم:2766 ، صحيح.
- رواه الترمذي ، في سنن الترمذي، عن أبي هريرة ، الصفحة أو الرقم:2891 ، حسن.
- رواه البخاري ، في صحيح البخاري، عن سلمان الفارسي، الصفحة أو الرقم:883 ، صحيح.
- رواه ابن خزيمة، في صحيح ابن خزيمة، عن سعد بن أبي وقاص، الصفحة أو الرقم:501/1، أخرجه في صحيحه.
- رواه ابن حبان، في صحيح ابن حبان، عن عبادة بن الصامت، الصفحة أو الرقم:2596 ، أخرجه في صحيحه .
- رواه البخاري ، في صحيح البخاري، عن أبي هريرة، الصفحة أو الرقم:796 ، صحيح.
- رواه البخاري ، في صحيح البخاري ، عن أبي هريرة ، الصفحة أو الرقم:4475 ، صحيح .








