مقدمة
تعتبر الإقامة في منى خلال أيام التشريق من الشعائر المرتبطة بموسم الحج، وقد اختلف العلماء في تحديد حكمها الشرعي، وسنتناول في هذا المقال تفصيل هذه الأحكام، وبيان من يُعفى منها، وتوضيح مفهومها، والحكمة من تشريعها، وعدد الليالي المطلوبة.
آراء الفقهاء في حكم الإقامة بمنى
الإقامة بمنى في ليلة الثامن من ذي الحجة تعتبر سنة مؤكدة باتفاق العلماء، أما الإقامة في ليالي التشريق فقد اختلفت فيها آراء الفقهاء على النحو التالي:
- رأي جمهور العلماء: يرى جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة أن الإقامة بمنى في ليالي التشريق واجبة، ومن تركها فعليه دم. فإذا ترك الحاج الإقامة لليلة أو أكثر، وجب عليه الدم عند المالكية. أما عند الشافعية والحنابلة، فإذا ترك ليلة واحدة فعليه مُدّ، وإذا ترك ليلتين فعليه مُدَّان، وإذا ترك الإقامة في جميع الليالي فعليه دم.
- رأي الحنفية: يرى الحنفية أن الإقامة في ليلتي الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة سنة، ومن تركها فلا شيء عليه. ويستدلون على ذلك بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رخص للعباس بعدم الإقامة، ولو كانت واجبة لما أذن له.
(رواه البخاري)
الفئات المستثناة من الإقامة
هناك بعض الفئات التي يسقط عنها وجوب الإقامة بمنى، وهم أصحاب الأعذار، مثل:
- المريض أو من يقوم برعايته.
- من يقوم بمهام رسمية تتطلب عدم الإقامة.
- رعاة الإبل.
وقد استدل العلماء على ذلك بفعل العباس -رضي الله عنه- حين استأذن النبي -صلى الله عليه وسلم- لكي يقوم بسقاية الحجاج، فأذن له.
توضيح مفهوم الإقامة في منى
الإقامة في منى تعني أن يمكث الحاج معظم الليل في منى. فإذا مكث أكثر من نصف الليل، فقد أدى الواجب. ويرى جمهور العلماء أن الواجب هو المكث معظم الليل، بينما يرى بعض الشافعية أنه يجب أن يكون الحاج حاضرًا عند طلوع الفجر. ويتحقق المبيت بالمكوث أكثر من نصف ساعات الليل، سواء كان ذلك في أول الليل أو في آخره.
الغرض من الإقامة بمنى
تحمل الإقامة بمنى دلالات رمزية عميقة، فهي تمثل مقاومة الشيطان الذي يحاول أن يغوي الإنسان ويوقعه في المعاصي. كما أنها تمثل اقتداءً بفعل سيدنا إبراهيم -عليه السلام- وزوجته هاجر وابنه إسماعيل عندما أوحي إليه بذبح ابنه، وحاول الشيطان أن يوسوس له ليصرفه عن هذا الأمر، فقام سيدنا إبراهيم برميه بالحصى حتى لا يلتفت إلى وسوسته. والإقامة بمنى هي أحد مناسك الحج، فلا ينبغي للحاج تركها.
قال تعالى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [الحج: 26].
عدد ليالي الإقامة في منى
يجوز للحاج أن يتعجل، وفي هذه الحالة يلزمه الإقامة ليلتين فقط. أما غير المتعجل، فعليه الإقامة في جميع ليالي التشريق. وأيام التشريق هي اليومان الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة. أما اليوم الثالث عشر فليس بواجب، وإنما هو مستحب. وبعد أن ينتهي الحاج من رمي الجمرات في اليوم الثاني عشر بعد الزوال، يجوز له التعجل، فيطوف طواف الوداع ثم يعود إلى بلاده، وإذا أراد أن يقيم في منى ليلة الثالث عشر، فهو الأفضل.
قال تعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [البقرة: 203].
المصادر
- سعيد حوَّى (1414)،كتاب الأساس في السنة وفقهها العبادات في الإسلام(الطبعة 1)، صفحة 3107، جزء 7. بتصرّف.
- مجموعة من المؤلفين (1404)،كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية(الطبعة 2)، صفحة 58، جزء 39. بتصرّف.
- مجموعة من المؤلفين (1404)،كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية(الطبعة 2)، الكويت:دار السلاسل، صفحة 324، جزء 7. بتصرّف.
- عبدالله الطَّيار (1433)،كتاب الفقه الميسر(الطبعة 2)، الرياض-السعودية:مدار الوطن للنشر، صفحة 86، جزء 4. بتصرّف.
- مجموعة من المؤلفين (1433)،كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية(الطبعة 2)، صفحة 59، جزء 39. بتصرّف.
- سامي محمد الصقير (1430)،أحكام المبيت في منى، الرياض-السعودية:جامعة القسيم، صفحة 587-588. بتصرّف.
- درية العيطة،كتاب فقه العبادات على المذهب الشافعي، صفحة 210، جزء 2. بتصرّف.
- وهبة الزحيلي،كتاب الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي(الطبعة 4)، سوريا:دار الفكر، صفحة 2253، جزء 3. بتصرّف.
- مجموعه من المؤلفين (1404)،كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية(الطبعة 2)، الكويت:دار السلاسل، صفحة 324، جزء 7. بتصرّف.
- عبدالله البصيري (1423)،كتاب الحج والعمرة والزيارة(الطبعة 2)، السعودية:مكتبة الملك فهد الوطنية، صفحة 293، جزء 1. بتصرّف.
- سعيد بن وهف القحطاني،رمي الجمرات في ضوء الكتاب والسنة وآثار الصحابة رضي الله عنهم، الرياض-السعودية:وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، صفحة 64، جزء 1. بتصرّف.








