مقدمة حول الأضحية
تعتبر الأضحية من الشعائر الإسلامية العظيمة التي شرعها الله تعالى للمسلمين. وهي سنة مؤكدة عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وتُذبح الأضاحي في عيد الأضحى المبارك إحياءً لسنة إبراهيم عليه السلام، وتعظيماً لله وشكراً له على نعمه. ففي هذه المناسبة العظيمة، يتوجه المسلمون إلى الله بالعبادة والتقرب إليه، ويتذكرون قصة إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، وما فيها من معاني التسليم والخضوع لأمر الله.
لقد شرع الله الأضحية لحِكمٍ بالغة، منها الاقتداء بإبراهيم عليه السلام في طاعته واستسلامه لأمر ربه، حين أمره بذبح ابنه إسماعيل، فامتثل لأمر الله، فكافأه الله بأن فدى ابنه بذبح عظيم، كما قال تعالى: “وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ”. (سورة الصافات، آية: 107).
يحرص المسلمون في كل مكان على إقامة هذه الشعيرة العظيمة، ويستشعرون فيها معاني الشكر والعبودية لله، والتضحية والبذل والعطاء، ورغبة منهم في إحياء هذه السنة المباركة، يسألون عن أحكامها وكيفية أدائها، ومن أهم هذه الأسئلة مسألة اشتراك العائلة في الأضحية، وهذا ما سنتناوله بالتفصيل في هذا المقال.
تفسير اشتراك العائلة في الأضحية
عند الحديث عن اشتراك العائلة في الأضحية، يمكن أن نفهم ذلك على وجهين:
- أن يقوم رب الأسرة الذي يعولها بالتضحية، وينوي الأضحية عنه وعن أهل بيته الذين ينفق عليهم.
- أن يجمع أفراد العائلة مبلغاً من المال، يساهم فيه كل فرد بقدر استطاعته، ثم يشترون به أضحية ويذبحونها بنية الأضحية عن جميع أفراد العائلة.
في كلا الحالتين، هناك أحكام شرعية وضوابط يجب مراعاتها، وسنوضح ذلك بالتفصيل في الفقرات التالية.
حكم الاشتراك في بقرة أو ناقة للأضحية
من رحمة الله تعالى وتيسيره على المسلمين، أنه أجاز لهم الاشتراك في الأضحية بالبقر أو الإبل، بحيث يجوز أن يشترك سبعة أشخاص في بقرة واحدة أو ناقة واحدة، سواء كانوا أفراد عائلة واحدة، أو أهل بيت مشتركين في النفقة، أو حتى سبعة مسلمين لا تربطهم صلة قرابة.
في هذه الحالة، يمكن لأحد المشتركين أن يتبرع بدفع كامل ثمن الأضحية وينوي بها الأضحية عن الجميع، أو أن يدفع كل واحد منهم جزءاً من الثمن وينوي الأضحية، وفي كلتا الحالتين تعتبر الأضحية صحيحة ومجزئة عن الجميع.
وقد جاء في السنة النبوية ما يدل على جواز الاشتراك في البقر والإبل، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: “نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ”. (رواه مسلم).
حكم اشتراك العائلة في شاة للأضحية
يجوز لرب الأسرة الذي يعولها أن يضحي بشاة واحدة عنه وعن أهل بيته الذين ينفق عليهم، كالزوجة والأبناء، وينوي الأضحية عنهم جميعاً، فتجزئ عنهم جميعاً، وهذا من فضل الله وكرمه. وإذا كان رب الأسرة معسراً، فله أن يأخذ من أموال أبنائه ما يكفيه لشراء الأضحية والتضحية بها.
وإن لم يجد ما يكفي للأضحية، وتبرع أحد أفراد أسرته، كالزوجة أو أحد الوالدين، بإهدائه مبلغاً من المال ليضحي به، جاز ذلك، وتعتبر هذه الهدية صدقة أو هبة حسب نية المعطي، وليست مشاركة في الأضحية، فيضحي رب الأسرة بالمال الذي وهب له، وينوي الأضحية عنه وعن أهل بيته.
أما الأقارب الآخرون، كأولاد الأعمام والأخوال والأجداد وغيرهم ممن لا يشتركون في النفقة، فلا يجوز لهم الاشتراك في أضحية الشاة بأي شكل من الأشكال.
فعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: “كان الرجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون، حتى تباهى الناس فصار كما ترى”. (رواه الترمذي).
فوائد ومعاني الأضحية
حث الإسلام على تربية المجتمع المسلم على الكرم والعطاء والبذل عن طيب نفس، وحرم بيع أي شيء من الأضحية، بل شرع أن يطعم المضحي منها المحتاجين، ويهدي منها من أحب، ويأكل منها، وفي هذا شكر لله تعالى، وتوثيق للعلاقات بين أفراد المجتمع الواحد، واستشعار لمعاني الود والرأفة والتشارك بين الناس.
الأضحية ليست مجرد ذبح حيوان، بل هي تعبير عن الإيمان والتضحية والإحسان إلى الآخرين، وهي فرصة لتقوية الروابط الاجتماعية والتكافل بين المسلمين.
المراجع
- سورة الصافات، آية: 107
- الموسوعة القرآنية خصائص السور، [جعفر شرف الدين]، صفحة 14.
- الرعاية الصغرى في الفقه، أبتابن حمدان، صفحة 523.
- دليل الطالب لنيل المطالب، أبتمرعي الكرمي، صفحة 112.
- البيان في مذهب الإمام الشافعي، يحيى العمراني، صفحة 459.








