تعتبر الصلاة عمود الدين الإسلامي، وهي الركن الثاني من أركانه. وقد حث الإسلام على أدائها في جماعة لما في ذلك من فوائد عظيمة، سواء كانت دينية أو اجتماعية. ولكن قد يتعذر على البعض حضور صلاة الجماعة في المسجد لأسباب مختلفة، مما يثير التساؤل حول حكم صلاة الرجل بمفرده في البيت. لقد تعددت آراء العلماء والفقهاء في هذه المسألة، وسنتناول أبرز هذه الآراء مع الأدلة التي استندوا إليها.
وجهة النظر الأولى: إلزامية صلاة الجماعة لكل فرد
يرى أصحاب هذا الرأي، ومنهم الحنفية والحنابلة، أن أداء الصلوات المفروضة في المسجد جماعةً هو فرض عين على كل رجل بالغ عاقل. ولا يجوز التخلف عن الجماعة إلا لعذر شرعي معتبر، وإلا استحق المتخلف الإثم. وقد تبنى هذا الرأي أيضاً ابن حزم وشيخ الإسلام ابن تيمية، وبعض علماء السلف. وقد استدلوا على ذلك بأدلة متنوعة، من بينها:
- القرآن الكريم: قال الله -تعالى-:(وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ). ففي الأمر بإقامة الصلاة جماعة حتى في حالة الخوف، دلالة واضحة على وجوبها في حالة الأمن والاستقرار من باب أولى.
- السنة النبوية الشريفة: أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال:(إنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ علَى المُنَافِقِينَ صَلَاةُ العِشَاءِ، وَصَلَاةُ الفَجْرِ، ولو يَعْلَمُونَ ما فِيهِما لأَتَوْهُما ولو حَبْوًا، وَلقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فيُصَلِّيَ بالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي برِجَالٍ معهُمْ حُزَمٌ مِن حَطَبٍ إلى قَوْمٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عليهم بُيُوتَهُمْ بالنَّارِ). هذا الحديث يدل على أهمية شهود صلاة الجماعة والتحذير الشديد من التهاون فيها.
- السنة النبوية الشريفة: أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-:(أَتَى النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ رَجُلٌ أَعْمَى، فَقالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّه ليسَ لي قَائِدٌ يَقُودُنِي إلى المَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ أَنْ يُرَخِّصَ له، فيُصَلِّيَ في بَيْتِهِ، فَرَخَّصَ له، فَلَمَّا وَلَّى، دَعَاهُ، فَقالَ: هلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بالصَّلَاةِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فأجِبْ). فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الأعمى بحضور صلاة الجماعة دليل قاطع على أهمية حضورها لعموم المسلمين الأصحاء القادرين.
وجهة النظر الثانية: صلاة الجماعة واجبة على البعض
ذهب الشافعية إلى أن صلاة الجماعة في المساجد هي فرض كفاية. وهذا يعني أنه إذا قام بها عدد كاف من المسلمين لإظهار شعائر الإسلام، سقطت الفرضية عن الباقين. أما إذا اتفق الجميع على تركها، فإنهم جميعاً يتحملون الإثم والمسؤولية.
وجهة النظر الثالثة: الجماعة سنة مؤكدة
يرى المالكية أن صلاة الجماعة في المسجد هي سنة مؤكدة. وقد استدلوا على ذلك بعدة أدلة، منها:
- السنة النبوية الشريفة: أخرجالإمام البخاريفي صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قال:(صَلَاةُ الرَّجُلِ في الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ علَى صَلَاتِهِ في بَيْتِهِ، وفي سُوقِهِ، خَمْسًا وعِشْرِينَ ضِعْفًا). فالحديث يدل على فضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد، مع عدم إنكار صلاة الفرد.
- السنة النبوية الشريفة: ورد عن يزيد بن الأسود العامري -رضي الله عنه-:(أنَّهُ صلَّى معَ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ وَهوَ غلامٌ شابٌّ فلمَّا صلَّى إذا رجلانِ لم يصلِّيا في ناحيةِ المسجدِ فدعا بِهما فجئَ بِهما ترعَدُ فرائصُهما فقالَ ما منعَكما أن تصلِّيا معنا قالا قد صلَّينا في رحالِنا فقالَ لا تفعلوا إذا صلَّى أحدُكم في رحلِهِ ثمَّ أدرَكَ الإمامَ ولم يصلِّ فليُصلِّ معَهُ فإنَّها لَهُ نافلةٌ). فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على الرجلين صلاتهما الفريضة في بيوتهما، واعتبر صلاة الجماعة لهما نافلة.
خلاصة
يتضح مما سبق أن آراء الفقهاء والعلماء قد اختلفت في حكم صلاة الرجل منفرداً في البيت، بين قائل بالوجوب العيني، وقائل بالوجوب الكفائي، وقائل بالسنية المؤكدة. وعلى المسلم أن يحرص على أداء الصلاة في جماعة لما في ذلك من فضل عظيم، وأن يجتهد في طلب العلم الشرعي لمعرفة الأحكام والمسائل المختلفة، وأن يتبع ما يراه أرجح وأقرب إلى الحق بعد استشارة أهل العلم.








