تمهيد
يعتبر الدعاء من أجلّ العبادات التي يتقرب بها العبد إلى ربه، وهو وسيلة للتواصل مع الخالق عز وجل، والتضرع إليه، وطلب العون والمغفرة. ومن الأدعية الجامعة لمعاني عظيمة، دعاء: “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”، وهو دعاء عظيم القدر، جليل المعنى، يستحب الإكثار منه، خاصة في أوقات استجابة الدعاء، كليلة القدر.
الدافع وراء هذا الدعاء
يذكر العلماء أن أصل هذا الدعاء يعود إلى سؤال أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- عن أفضل دعاء تدعو به إذا علمت بليلة القدر. فأرشدها النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أن تقول: “اللّهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”، وفي رواية أخرى: “اعفُ عنّا”.
وقد ورد في الحديث الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها- أنها:
“سألَتْهُ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عائشةُ رضي الله عنها إنْ وافقتُها فبِمَ أدعو؟ قال: قولي: اللهمَّ إنك عفوٌ تحبُّ العفوَ فاعفُ عني.”
وقد روى هذا الحديث عدد من علماء الحديث، منهم النسائي في السنن الكبرى، والقضاعي في مسند الشهاب. وفي رواية الترمذي زيادة لفظ “كريم”، ليصبح الدعاء: “اللّهم إنّك عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُ الْعَفْوَ فاعْفُ عَنِّي”، وقال عنه الترمذي: حديث حسن صحيح.
معنى الدعاء وتفصيله
يحتوي هذا الدعاء على كلمات تحمل معاني جليلة، وفيما يلي توضيح لمعنى كل كلمة:
- اللهم: اتفق العلماء على أن معناها يا الله، وتستخدم عند الدعاء والطلب، ولا تستخدم في وصف الله، فلا يقال: اللهم غفور رحيم، بل يقال: اللهم اغفر لي.
- إنك عفو: العفو هو الذي يتجاوز عن سيئات عباده، سواء أكانت هذه السيئات ناتجة عن ترك واجب أو فعل محرم. والذنب يكون بأحد هذين الأمرين، ومعنى العفو هو التجاوز عن التقصير في العبادة وارتكاب المعاصي. والله تعالى عفو مع القدرة، والعفو من الصفات الحميدة، وهو التجاوز عن الذنوب، وهو جزء من الإحسان، فمن عفا عن الناس عفا الله عنه. وقد مدح الله تعالى العافين في القرآن الكريم، فقال تعالى:
- تحب العفو: فيه إثبات صفة المحبة لله تعالى، وأنه يحب العفو أكثر من العقوبة، ورحمته سبقت غضبه، وفيه جواز التوسل بأسماء الله وصفاته.
- فاعف عني: طلب العفو فيه اعتراف من العبد بالتقصير تجاه خالقه، وأن الله أولى بالعفو الكثير، وفيه سؤال الله ودعاؤه بمغفرة جميع الذنوب، ومعناه: تجاوز عني ولا تعاقبني على تقصيري في طاعتك أو ارتكابي لما حرمت.
- الكريم:والكريم هو الذي يعفو، وهي من الصفات الحسنة، لأن الكريم يعفو عمن ظلمه أو أساء إليه، كما أن الكريم اسم من أسماء الله تعالى الحسنى، وهو من الأسماء الجامعة لكل ما يحمد، فهو الذي يعفو، ويوفي إذا وعد، وإذا أعطى زاد، وهو كثير الخير، والذي يعطي ولا ينفد عطاؤه.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
والعفو اسم من أسماء الله الحسنى، وعفو الله شامل لجميع الذنوب إذا أتى العبد بما يوجب العفو، كالتوبة والاستغفار، لقوله تعالى:
(وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ).
والعفو من صيغ المبالغة، فالله لا يزال بالعفو معروفاً، ومعنى العفو أيضاً: الذي لا يتتبع خطايا عباده، ولا يستوفيها منهم، بل يغفرها ويزيلها عنهم إن تابوا واستغفروا، ولا يطالبهم بها يوم القيامة. والعفو أبلغ من المغفرة، لأن المغفرة تكون للستر، والعفو يكون للمحو والإزالة.
أهمية الدعاء وآثاره
لدعاء “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني” فضائل وثمرات عظيمة، منها:
- استحباب طلب العفو من الله تعالى في كل وقت، وخاصة في ليلة القدر.
- تحقيق أهم المطالب، وهو التخلص من الذنوب والتطهر منها.
- نيل الثواب والشرف الكبير، لما فيه من اتباع لأمر الله بالعفو والمسارعة إلى الخير.
- القرب من الله تعالى، والإكثار من دعائه بالعفو والمغفرة، حيث إن عفوه يشمل جميع خلقه وجميع الذنوب إلا الشرك به، لقوله تعالى:
(إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً).
المصادر
مناهج جامعة المدينة العالمية،أصول الدعوة، ماليزيا: جامعة المدينة العالمية.
أحمد بن الحسين الخراساني، أبو بكر البيهقي (2009)،الدعوات الكبير(الطبعة الأولى)، الكويت: غراس للنشر والتوزيع.
ابن القيم، في أعلام الموقعين، عن عائشة أم المؤمنين.
صهيب عبد الجبار (2013)،المسند الموضوعي الجامع للكتب العشرة.
أحمد بن محمد بن حنبل (2001)،مسند الإمام أحمد بن حنبل(الطبعة الأولى)، بيروت: مؤسسة الرسالة.
مجد الدين أبو السعادات ابن الأثير (1970)،جامع الأصول في أحاديث الرسول(الطبعة الأولى)،: مكتبة دار البيان.
شحاتة محمد صقر،دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ، البحيرة: دَارُ الفُرْقَان للتُرَاث.
شحاتة محمد صقر،الصلاة على رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – فضلها ومعناها وكيفيتها ومواضعها والتحذير من تركها، مصر: مكتبة دار العلوم.
محمد بن صالح العثيمين (2006)،فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام(الطبعة الأولى)، السعودية: المكتبة الإسلامية للنشر والتوزيع.
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (1426 هـ)،شرح رياض الصالحين، الرياض: دار الوطن للنشر.
حسين بن محمد المهدي (2009)،صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال، اليمن: وزارة الثقافة -دار الكتاب.
عدد من المختصين بإشراف الشيخ/ صالح بن عبد الله بن حميد إمام وخطيب الحرم المكي،نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم(الطبعة الرابعة)، جدة: دار الوسيلة للنشر والتوزيع.
أبو الحسن نور الدين الهروي (2002)،مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح(الطبعة الأولى)، بيروت: دار الفكر.
عبد الرؤوف بن تاج العارفين المناوي (1356)،فيض القدير شرح الجامع الصغير(الطبعة الأولى)، مصر: المكتبة التجارية الكبرى.
ابن الملقن (2008)،التوضيح لشرح الجامع الصحيح(الطبعة الأولى)، دمشق: دار النوادر.
فيصل بن عبد العزيز الحريملي (2002)،تطريز رياض الصالحين(الطبعة الأولى)، الرياض: دار العاصمة للنشر والتوزيع.
